تنويه

 

     كتاب صوبا - تاريخ وطن وحياة قرية ( ابراهيم الفقيه)

 

 

تنـويـه وكلمة أخيرة

 

 

    ما كان أحد يتصور أن الرحيل عن صوبا سيطول ويمتد إلى عشرات السنين، لكنه طال رغم الأمل الذي غرسه الأجداد والآباء في الأحفاد.

   صوبا بناها الأجداد بعرق أجسادهم، ورووا أرضها بدمائهم الزكية، وفجأة أصبحوا بلا أرض وبلا وطن، لكنهم لم ييأسوا، وعملوا من جديد ليبنوا أنفسهم، وقد بذلوا الغالي والرخيص في سبيل تحقيق أهدافهم.

   ورغم متاهتهم وتشردهم في مخيمات الضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا وبقية البلاد العربية والعالم، ورغم أن كبار السن ما زالوا ينظرون إلى صور قرية صوبا، بتجاعيد العمر التي حُفرت معها الذكريات المؤلمة، ويرحلون بعيونهم إليها من بعيد نظرة شوق وحنين، وهم يستذكرون حقولها وسهراتهم الليلية الممتعة تحت أشجار الزيتون والحمضيات والكروم، إلا أنهم لم يسقطوا، ولم يضيعوا في العدم، فقد دفعوا بالأبناء إلى العلم والمعرفة، وزرعوا في عقولهم الصمود كما العلم، حتى يبزغ الفجر، وتتحقق أمانيهم بحق العودة إلى الوطن.

    صوبا قرية من بين ثمان وثلاثين قرية تحيط بالمدينة المقدسة، لم يكتف الاحتلال بطرد وتهجير أهلها،والعيش في مخيمات تفتقر لأدنى مقومات الحياة.. بل آثر تعميق الجرح في قلوبهم بهدمها وتدميرها، وقتل المئات من سكانها من نساء وأطفال وشيوخ وثوار.

    كانت الساعات تمر كالدهر على أهالي قرى القدس الغربية، التي تحولت من ريفية ساكنة إلى ساحات دماء وجثث شهداء، أما من سلم من رصاص الصهاينة فلم يسلم من الطرد عن بيته ومسكنه، حيث كانت هذه العصابات تلاحق المختبئين في المنازل وتطردهم تحت تهديد السلاح، ثم تنسف البيوت مباشرة وتمسحها عن الوجود..وليس هذا النسف والتدمير لغرض الاستيطان فيها، بل هي مجرد وسيلة لقهر أهلها وإرهابهم بعدم العودة إليها، حيث تحولت 22 قرية منها إلى محميات طبيعية لم تُسكن ولا يجرؤ المغتصبون على الاقتراب منها، وتفيد المعلومات أن معظم قرى القدس المهجرة تم احتلالها في الشهر السابع من عام 1948م، أي بعد الهدنة الأولى، وبعد أن قويت شوكة الاحتلال وزاد تسلّحه المدعوم من بريطانيا ودول أخرى.

    أما قرية صوبا – مدار البحث – فتفيد المعلومات أنيد الاحتلال المخربة لم تدع شيئاً على حاله، فقد عاث فساداً في القرية المهجرة، حيث فوجئ بعض الزائرين إليها بأعمال هدم وحفريات داخل قلعتها الأثرية على قمة التلة وتناثر حجارتها، إضافة لحفريات عشوائية كبيرة داخل البيوت الأخرى للبحث عن الآثار، وتشويه المنظر العام للآثار والبيوت القديمة والمنازل، الأمر الذي دعا المؤسسات الحقوقيةَ المقدسيةَ إلى الطلب من أهاليها رفع دعوى قضائية ضد أنياب الاحتلال، التي لا تريد تركَ أثر فلسطيني على هذه الأرض.

    وعلى الرغم من كل المحاولات لمسح الذاكرة الفلسطينية، إلا أن حق العودة لن ينساه أبناء صوبا، كما لن ينساه أبناء فلسطين، فما زال الأجداد والآباء يحفرون ويغرسون في عقول أبنائهم وأحفادهم مصطلحات العودة على أرض الواقع، بعد أن جفت الدموع التي كانت تسعفهم حينيستذكرون أوراق الزعتر الأخضر وثمر الزيتون، أو قطوفَ العنب المعلقة على الدوالي أمام البيوت، وما عاد يسعفهم غير سواعدهم وتصميمهم على العودة، إذ ما زال حلمهم قائماً بالعودة رغم كل شيء.

  أبناء صوبا اليوم يزيد عددهم عن (15) ألف نسمة بعد عام 2015م، معظمهم في الشتات، بعد أن كان عددهم (4417) نسمة عام 1998م، و(700 ) نسمة عام 1948م "غير الموجودين في عين رافا والعيزرية وأبو ديس"، معظمهم موزعون في كل أنحاء الأردن وبالأخص العاصمة عمان، في الوحدات، القويسمة، حي نزال، الجبل الأخضر، جبل النظيف، تلاع العلي، ضاحية الياسمين وغيرها .

   بعضهم رحل إلى سوريا وبعضهم هاجر إلى أمريكا أو كندا أو فنزويلا.. وما زال عدداً منهم في المملكة العربية السعودية أو دول الخليج، يجوبون الأرض طلباً للرزق والعلم والمعرفة.. وحملة الشهادات الجامعية العالية يُعدون اليوم بالمئات معظمهم في الوظائف الحكومية، منهم أساتذة في الجامعات، ومنهم أصحاب المصانع والمهن والمشاريع المختلفة، ورجال الأعمال لا يعدّون.

   ومع كل هذا، ورغم انشغالهم بالحياة، إلا أنهم لم ينسوا حبهم لوطنهم فلسطين ولأرض صوبا، ولم ينسوا تعطشهم لعيون صوبا، وشوقهم لرؤية بيوتها وآثارها ورائحتها، كلما سنحت لهم فرصة لمعانقة فلسطين وتنفس هواءها، والصلاة في المسجد الأقصى.

   أهالي صوبا وبعد هذه الغيبة الطويلة عن أرض صوبا، وكما هو حال أهل فلسطين كلها، ينظرون إلى المستقبل بأمل مشرق، وشبابهم الواعي يعرف قيمة الروابط العائلية والحمائل التي ما زالت تجمعهم رغم تباعد أماكن عيشهم، ضمن التقاليد والعادات التي تربّوا ونشأوا عليها.. فأقاموا الدواوين والمضافات والروابط والجمعيات الخيرية والتعاونية.

   اليوم لكل عائلة من عائلات صوبا في عمان ديوان، فهناك ديوان عشيرة الفقيه، ديوان عشيرة رمان، ديوان عشيرة نصر الله، وديوان عشيرة جبران.. وفي فلسطين أقام شباب أبناء صوبا المقيمين في العيزرية وعين رافا وأبو ديس، أقاموا جمعية صوبا الخيرية، هدفها التعارف وعمل الخير، وزرع أواصر المحبة بين أهالي صوبا، ومساعدة المحتاجين منهم.

   وفي عمان التقت سواعد نفر من الشباب الغيورين على تاريخهم، بأن زفوا لأهل البلد البشرى بتأسيس روابط وجمعيات، حيث تأسست في البداية رابطة آل الفقيه ورابطة صوبا، وبالتالي تأسست "جمعية صوبا التعاونية" لجمع شمل أبناء صوبا تحت مظلة اجتماعية خيرية تعاونية، تقربهم من بعضهم وتعينهم على حل مشاكلهم، وتجمعهم في بوتقة واحدة.

   صوبا، قرية مقدسية فلسطينية في القلب، قرية كانت شاهدة على تاريخ شعب، كما كانت شاهدة على حضارة عظماء الشهداء في بطنها، يتململ الشهداء في محاولة للنهوض من قبورهم ليشهدوا تاريخ صوبا.

   في آثارها كان أناس طيبون، يأملون بالخير ويحبون الحياة.. صوبا كانت عامرة بالناس الطيبين قبل أن تُدمّر وتصبح أثراً بعد عين.. كان أناسها يحبون الزيت والزيتون والزعتر وعصير الليمون، يشربون القهوة السادة، وعصير البرتقال.. يحبون المساجد والأرض، لكنهم أُقتلعوا من أرضهم.. فمتى أحفادهم يعودون؟!.

                                                           مع تحيات المؤلف : ابراهيم ذيب نافع الفقيه

 

                                     

ملاحظة: يُطلب الكتاب من المؤلف إبراهيم ذيب نافع الفقيه أو من جمعية صوبا التعاونية العنـــــوان

 

 

 
 

 

 

     

  

البريد الالكتروني email

Faqeh46@hotmail.com

 

 

************

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  حقوق الطبع ©2019 صوبـــا. جميع الحقوق محفوظه
زوار الموقع : 465197
  تصميم و تطوير