المقدمة

 

     كتاب صوبا -  إحدى قرى فلسطين المدمرة عام 1948 في بيت المقدس

تاريخ وطن وحياة قرية (ابراهيم الفقيه)

مقدمــــة

 

     صوبـا :

    بتجاعيد العمر التي حُفرت معها الذكريات المؤلمة، ينظر كبار السن إلى صور قرية صوبا، التي كانوا يوماً ما يأكلون من ثمرها ويفلحون أرضها.. يرحلون إليها بعيونهم من بعيد، بعد أن دُمرت بيوتها وتهاوت أركانها، التي ضربت المثل في جمالها، وجذبت إليها الزوار في الماضي من كل حدب وصوب.

    صوبا قرية من بين ثمان وثلاثين قرية تحيط بالمدينة المقدسة، لم يكتف الاحتلال بطرد وتهجير أهلها،والعيش في مخيمات تفتقر لأدنى مقومات الحياة.. بل آثر تعميق الجرح في قلوب الفلسطينيين بهدمها وتدميرها وقتل المئات من سكانها من نساء وأطفال وشيوخ وثوار.

    كانت الساعات تمر كالدهر على أهالي قرى القدس الغربية التي تحولت من ريفية ساكنة إلى ساحات دماء، وجثث ملقاة هنا وهناك، أما من سَلم من رصاص الصهاينة فلم يسلم من الطرد عن بيته ومسكنه، حيث كانت هذه العصابات تلاحق المختبئين في المنازل وتطردُهم من منازلهم تحت تهديد السلاح، ثم تنسف البيوت بعد طرد أهلها منها مباشرة، فكانت العصابات الصهيونية تفجر المنازل وتمسحها عن الوجود، مثل قرية صوبا، والكثير من المنازل أحرقت وتشوهت ملامحها العربية الأصيلة.. وليس هذا النسف والتدمير لغرض الاستيطان فيها، بل هي مجرد وسيلة لقهر أهلها وإرهابهم بعدم العودة إليها، حيث تحولت 22 قرية منها إلى محميات طبيعية لم تُسكن، ولا يجرؤ المغتصبون على الاقتراب منها، وتفيد المعلومات أن معظم قرى القدس المهجرة تم احتلالها في الشهر السابع من عام 1948م، أي بعد الهدنة الأولى وبعد أن قويت شوكة الاحتلال، وزاد تسلّحه المدعوم من بريطانيا ودول أخرى.

    وفي قرية صوبا – موضوع البحث – تفيد المعلومات أن يد الاحتلال المخربة لم تدع شيئاً على حاله، فقد عاث فساداً في القرية المهجرة، حيث فوجئ بعض الزائرين إليها بأعمال هدم وحفريات داخل قلعتها الأثرية على قمة التلة وتناثر حجارتها، إضافة لحفريات عشوائية كبيرة داخل البيوت الأخرى للبحث عن الآثار، وتشويه المنظر العام للآثار والبيوت القديمة والمنازل، الأمر الذي دعا المؤسسات الحقوقيةَ المقدسيةَ إلى الطلب من أهاليها رفع دعوى قضائية ضد أنياب الاحتلال، التي لا تريد ترك أثر فلسطيني على هذه الأرض.

    وعلى الرغم من كل المحاولات لمسح الذاكرة الفلسطينية، إلا أن حق العودة لن ينساه أبناء فلسطين، فما زال الأجداد والآباء يحفرون ويغرسون في عقول أبنائهم وأحفادهم مصطلحات العودة على أرض الواقع، بعد أن جفت الدموع التي كانت تسعفهم حينيستذكرون أوراق الزعتر الأخضر وثمر الزيتون، أو قطوفَ العنب المعلقة على الدوالي أمام البيوت وفي الحقول، وما عاد يسعفهم غير سواعدهم وتصميمهم على العودة، إذ ما زال حلمهم قائماً بالعودة رغم كل شيء.

   صوبا، قرية من  بين مئات  القرى التي شُطبت من الخريطة الفلسطينية، وهي واحدة من أصل 475 قرية دُمّرت عام 1948م.

   دمّر اليهود هذه القرية العريقة وشتّتوا سكانها بتاريخ 13/7/1948م، وعلى أنقاضها أقاموامستعمرة "أميليم"، ثم سميت لاحقاً كيبوتس "تسوفاه   Tsova" عام 1949م، وفي عام 1964م أنشئت على أراضيها مدرسة تدعى "يديدا".. وما زالت بقايا القلعة الصليبية ظاهرة إلى اليوم مع بقايا البيوت..

   ورغم معرفتي أن معظم قرى فلسطين المقدسية متشابهة في العادات والتقاليد والمناخ، إلا أني أشعر بالحنين الخاص إلى قريتي صوبا.. ف صوبا اليوم أكوام من الحجارة تغطي بيوتها وآبارها وقبورها، ولم يعد أحد يعرف شيئاً عنها غير اسمها، بعد أن قضى كبار السن فينا، ولم يعد لنا دليل.

   كانت القصص التي يرويها الآباء والأجداد عن البيوت التي ولدوا فيها،ثم عاشوا وتربّوا على ذكراها أشبه بالخيال.. هزني الحنين والشوق لرؤيتها ومعرفتها عن كثب، وحاولت أن أحقق أمنيات الشباب الذين لم يروا هذه القرية.. عدت للمراجع التاريخية، ورصدت حكايات والدي وكبار السن بقدر ما أسعفتني الذاكرة، لكن بعض كبار السن لم تسعفهم الذاكرة في استرجاع الماضي، وهم يتأوهون بالحنين والشوق والدموع، وبدأ الموت يطويهم قبل أن يحققوا أمانيهم برؤية الوطن ثانية.

   كانت الذكريات تندثر أمام الهجرة وتدمير البيوت، وأمي تروي لي حكاياتها عن شبابها، وهي تخرج مع بعض النسوة إلى أطراف القرية يجمعن الزعتر والميرمية وزهور البابونج والأعشاب البرية.

   صوبا لوحة فنانأكل الدهر عليها وشرب.. طُويت وأصبحت ذكرى وحلم.

  إن الاهتمام المتزايد الذي يبديه الفلسطينيون بتاريخهم الخاص قبل الاحتلال وبعده، واحتفاظهم بتراثهم التاريخي والثقافي، هو علامة على إرادة تأكيد الهوية الذاتية لهذا الشعب.. فحتى لا ينسى الآباء الذين يجدون متسعاً للشوق والحنين لهذا الوطن، وحتى تستمر بذور الحب في الغرس والعطاء المتواصل للأبناء.. حاولتُ بكل جهدي أن أكتب ما أعرفه عن هذا الوطن وهذه القرية، وأجمعه في كتاب ليستمر الحب المغروس في أعماق التاريخ مع حب الأرض.. حتى يعود الحق، ويسترجع أصحاب الحق حقوقهم المسلوبة قهراً وظلماً..  

   في هذا الكتاب الأخطاء غير المقصودة واردة.. لكني أقول "من يعمل يُخطئ"، فالكمال لله وحده .. وكما كتب الجاحظ يوماً " إن نظرت في هذا الكتاب، فانظر فيه من يلتمس لصاحبه المخارج، ولا تذهب مذهب التعنت ومذهب من إذا رأى خيراً كتمه، وإذا رأى شراً أذاعه".. وقد ارتأيت أن أنوّه إلى موضوع الحمائل في صوبا، فالكل سواسية، وخير ما يقال فيهم قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى".. فأجدادنا وآباؤنا هم الذين عاشوا على أرض صوبا ورووا الأرض الفلسطينية بدمائهم، وهم جزء لا يتجزأ من شعبنا العظيم الذي يتطلع بشوق إلى مسقط رأسه البعيد، ويعيش رغم الشتات والظلم الذي أصابه، على أمل العودة وتحرير القدس مسرى النبي العظيم.

   صوبا قرية فلسطينية مقدسية.. دُمّرت معالمها، ولم يبق منها إلا أثر عين.. العين تدمع والفؤاد يتمزّق ألماً، والمرء يشق طريقه بين أشجار الصبار إلى قمتها المتربعة وسط مجموعة من تلال القدس الغربية.. فلا يرى سوى بقايا بيوت عصف بها الزمن فتهدّمت، وقلاع حصن قديم تناثر بفعل القنابل، وكأنه تعرّض لزلزال مدمّر.. ومع ذلك لم يستطع العدو محو هوية أبناء هذه البلدة من تراثهم وتاريخ أجدادهم.. لهذا حاولت بعث الحياة فيهم من جديد، وإحياء هذا التراث رغم الفجوة العميقة والضياع والمتاهات التي يعيشها الأبناء في شتاتهم وغربتهم.

   ولا يسعني في نهاية المطاف إلا أن أشكر كل من مدّ  لي يد العون من أبناء صوبا الكرام، ولو بالكلمة الطيبة، وأخص بالذكر السيد "مصطفى خليل رمان".

   وأخيراً أقول إن الكمال للهعزّ وجل وحده، فإن أصبت فهذا بتوفيق الله ومنه، وإن أخطأت، فحسبي أني حاولـت واجتهـدت، ويعلم الله أني لم أبتغ من وراء هذا الجهد والاجتهاد الذي بذلته في هذا الكتاب، سوى الإسهام في إنقاذ هذا التراث من الضياع، لتستمر المسيرة التراثية التي نعتز بها ونفاخر، حتى نُسلّم رايتها للأجيال القادمة، قبل أن تندثر في محيط التطور الحضاري الذي يندفع بسرعة الأقمار الصناعية نحو المستقبل المجهول.

                                                                                                                          إبراهيم الفقيه

****

                                                           

 

 

  حقوق الطبع ©2019 صوبـــا. جميع الحقوق محفوظه
زوار الموقع : 459715
  تصميم و تطوير