الهذيان / رواية

      

       

للتحميل من هنا

الهم الفلسطيني في روايتي

" الهذيان، والخريف واغتيال أحلام "

 

للروائي ابراهيم عوض الله

فوزي الخطبا – كتاب "أدباء عرب" – دراسات في الأدب العربي الحديث- 1999- دار الينابيع - عمان

 

    تكشف روايات ابراهيم عوض الله  الفقيه الهم العربي عامة والهم الفلسطيني بصورة خاصة، وابطال اعماله الروائية صورة واقعية تنبض بهذا الهم المسكون به.. فهناك ضوء في هذه الشخصية الانسانية (الفلسطينية) التي تحاول ان تجد لها مكانا على وجه الأرض، فاعماله الروائية تحمل الحقيقة والمواجهة بجرأة دون تزييف أو مبالغة وتميل الى المكاشفة، مما اتاح له أن يرصد المقاومة في مراحلها التاريخية، الأردن، بيروت، المنفى، الوطن المحتل، العودة.

   فقد رسم المؤلف ملامح شخصية المناضل بدقة، فكشف عن المسكوت عنه سواء على صعيد العامل النفسي أو الإنساني أو الفكري، وقد تأثرت كتاباته بأحداث ومجريات الأمة التي تنتقل من هزيمة الى أخرى – فحاول ان يرصدها في كتابته عبر رواياته الأربع وهي "الهذيان"، و "ما زال للصبار روحا"، و "الصمت المعبر"، و "الخريف واغتيال أحلام"، ومجموعة قصصية "القربان".

   وسنقف في هذه الدراسة عند روايتيه الأولى "الهذيان" والأخيرة "الخريف واغتيال أحلام"، حتى نكشف مدى التطور الذي حققه في عالمه الروائي، ومدى ضبط إيقاعها الروائي مع جدلية القضايا التي عالجها ومدى حيوية أسلوبه ولغته.

روايـــــة الهذيــــــان

 

     صدرت الرواية في بيروت عن دار الزهراء للطباعة والنشر عام 1975م، وتقع في 175 صفحة من الحجم الكبير.. وقدم لها الدكتور "اسعد احمد علي" أستاذ الدراسات العليا في الجامعتين العربية واليسوعية، والرواية تستعرض – سيرة الكاتب الذي يمثل الشباب العربي فترة الستينات والطموح الذي يحلم به، الى ان يهزه الواقع المؤلم المتردي الذي يعايشه في نكسة 67، فتتبخر الأحلام ويصطدم بالواقع المرير، نبدأ من بداية الرواية.

    اريد ان انطلق الى الحياة، ان اخرج من الدائرة المليئة بالالغاز التي تلف هذا الكون وتبرقعه بالظلام بدل النور، بصراحة اريد أن اعيش، ان أحيا كما يعيش الناس الحياة.

    بهذه الكلمات تبدأ رواية الهذيان.

    ويتساءل الكاتب: الى متى سأبقى هكذا؟ متى يبزغ فجر السعادة الحقيقية التي لا عموض فيهـا – حتى يبزغ فجر الحب والاخلاص، فجر المحبة والتفاني، فجر الإنسانية والاخوة العميقة، العريقة، الى متى كل هذا؟.

    من بداية الرواية نعرف ان الكاتب بدأ روايته وكأنه يؤرخ لسيرته الذاتية، التي هي في الواقع سيرة الشباب وحياته، آماله واحلامه وطموحاته، وهو يعيش في نفق مظلم يلف العالم العربي من اقصاه الى اقصاه.

    فهل للهذيان قصة، أم القصة كلها في الانسان؟. فالانسان هو الذي يهذي فيتكلم بغير المعقول، وهو الذي يجد فيتكلم بالمعقول، ولكن لماذا يهذي، ولماذا يصحو ويعقل.. لأن حاجاته في الحياة تفرض عليه ذلك.. أليس كذلك؟.

    كل ذلك مقبول في منطق الفن، فن التعبير عن الانسان، وقل من حاجات الانسان في حياته.

    من هذا القبول يستطيع القارئ التجول في الأجواء التي رسمها صاحب الهذيان في هذيانه، ولكن المتجول لن يلبث طويلاً حتى يصبح في منتهى الجدية والاهتمام والمعقولية لشدة جوه الهذياني، سينسى التخوم التي تفصل بين المعقول واللامعقول، وسيدخل مع ابراهيم عوض الله إلى أجواء الانسان "العربي – الفلسطيني –اليهودي – الكوني) مرة واحدة.

    كل هؤلاء يشاركون في هذا الهذيان الذي نسميه الحياة.

    في البداية يتعرض الكاتب لأزمة البطل وهي تكمن في البطالة، ويحاول ان يجد عملاً يقيت به نفسه وعائلته الفقيرة، خاصة بعد ان حصل على الشهادة الثانوية العامة، ووالده يرقب ذلك اليوم الذي تخرج فيه ولده ليعمل ويساعده، لكن لا أمل بالوظيفة، مما جعل جو العائلة مشحوناً بالشتائم التي لا تنتهي من الوالد عليه وعلى اخوته، وهذا ما دفعه لمغادرة البيت والالتجاء لصديقيه كامل وعمر.

    كامل ينتظر الفيزة للسفر الى امريكا، ويغرق في حب فتاة لا يود مفارقتها، وعمر انسان ميسور بأحواله المادية، ينوي السفر الى يوغوسلافيا لمتابعة دراسة الهندسة، أما عادل بطل الرواية، فيعيش على حرارة الذكرى وألم الواقع.

    يتعرف بطل الرواية (المتكلم عادل) على توفيق الهارب من السجن والشرطة تلاحقه، فيأوية عنده على أمل ان يجد طريقة لمغادرة البلاد.

    لم يستطيع والده تحمل الصبر على أولاده الكبار فيطردهم من البيت، وفيما بعد يندم على تصرفاته عندما يجد نفسه وحيداً في البيت، فيبذل محاولات مريرة لاسترجاع أبنائه الذين غادروا البلاد الى لبنان والسعودية.

    يسافر عادل الى لبنان، وهناك يلتقي بكامل الذي سبقه للحصول على الفيزة من السفارة الأمريكية الموجودة هناك، ويتعرف عادل على فتاة تدعى عائدة وتدور بينهما قصة حب، الا ان عادل يرفض الحب من أصله،  فهو مخلوق للشقاء والتعاسة، ويلازمه بؤسه كالقميص الذي يرتديه كما يقول، لكنه في قرارة نفسه يعرف انه وقع في اسرها، أسير حب مقطوع الأمل منه مسبقاً، مما دفعه ثانية للعودة الى الأردن.

    في عمان يلتقي عادل بأحمد، الشاب الفلسطيني الذي يعمل سراً مع الثورة، ويقنعه بالعمل معه، لكن عادل يصر على مواصلة دراسته الجامعية، ويقاتل في سبيل ذلك، فهو يعرف ان حياته كتبت بسطور على رمال عاصفة، اشبه بنقطة زيت في محيط هائج، لكنه لا يستسلم.

    يعود كامل الى عمان ويلغي سفره لانه لم يستطع مفارقة حبيبته جهاد، لكنه يفاجأ بزواجها من أبن عمها، مما دفعه لمغادرة البلاد ثانية الى بيروت ثم السفر الى فنزويلا.

    يلتقي عادل ثانية بتوفيق الذي كان يعتقد انه يعمل مهرباً، الا انه يفاجأ به يعمل مع الثورة سراً، وانه يزودها بالسلاح الذي تريده، كما انه يعرف احمد.

    ينخرط عادل بالعمل مع احمد في الثورة، ويساعد توفيق في نقل الأسلحة إلى المقاتلين.

   يقول: ارتعش السراج وهب هبة قوية، اضاءت الغرفة التعسة بنور قوي، وبدأ احمد يفرغ أهاته لعادل وللجدران التي كانت تطلب منه المزيد.. تحدث عن الثورة بصراحة كما تحدث عن مطاردة الشرطة لأفراد المقاومة، لكنه كان على يقين ان الحكومة لن تستطيع وقف ابن فلسطين الذي حسب كل حساب قبل ان ينطلق الى أرضه في محاولة لتحريرها من العدو.

    - في الصباح، وعند الساعة السادسة صباحاً أعلنت الحكومة عبر المذياع بأن دورية إسرائيلية قامت بالتسلل الى قرية السموع في الأراضي الأردنية، وقتلت عدداً من الشيوخ والأطفال الآمنين بعد ان دمرت بيوتهم ونسفت مدرسة القرية وجامعها.

    - استشهد احمد في المعركة، وافتقد عادل الأمل الذي يوصله الى طريق الثورة من جديد.

  - ضج الشعب وثار، وانطلقت المظاهرات تجوب شوارع عمان مهددة متوعدة، مما دفع بالحكومة بوقفها عنوة واعتقال المشبوهين.    

   -  في عمان وجد عادل الشرطة بانتظاره، فألقى في زنزانة لم يدخلها النور منذ زمن، وعذب في محاولة للاعتراف عن رجال المقاومة "الذين لا يعرفهم أصلاً"، وفي السجن اعترف لنفسه بانه لا فرق بين الحر والسجين، فكلاهما لا حرية لهما، "معتقلان في معتقل كبير – سجن صغير بين جدران أربعة، وسجن كبر واتسع فكان كالصحراء".. وعندما يطلق سراحه، يقنع نفسه بأن حياته لم تنته بعد، "هدمت فقط، والهدم خير من النهاية والموت".

    - ضاقت الحياة بعادل كما ضاق بها،مما دفعه للعودة الى بيروت ثانية، وهناك التقي بمحمود كما التقي بعائدة، وعندما رفض الزواج منها قررت الابتعاد عنه، كما وافقت على الخطوبة من أحد ابناء الجيران،  وتصله رسالة يعرف من خلالها ان والده مريضاً فيعود الى الأردن. 

  -  في الأردن تتجمع العائلة حول الوالد الذي يفرح بعودتهم ويستعيد صحته..

    - لكن السعادة التي بدأت تظهر في الأفق لم تدم طويلاً، فقد أعلنت حالة الطوارئ بين الجيوش العربية واستعد العرب لردع العدوان الإسرائيلي، وفي الإذاعات العربية وبين الجماهير الصاخبة تبدلت أحزان النكبة الى أفراح النصر قبل ان تطلق  الجيوش النيران.

   -  عاد كامل لزيارة الأهل، فالتقى بعادل ومحمود، وعرف عادل أن أخاه حسين التحق بالجيش العربي الأردني من خلال رسالة جاء فيها :

   " لقد التحقت بالخدمة العسكرية بعد أن بحثت عن الشرف طويلاً فلم أجده الا في الدفاع عن الأرض، فإن مت فأنا فخور بموتي دفاعاً عن غاليتنا فلسطين وعلى ترابها، وهذه هي فرحتنا الوحيدة، والى اللقاء في قلب فلسطين وبين احضانها".    

     لم يفكر احد بالهزيمة، وأذيع البلاغ الأول من صوت العروبة، "وفي الساعة السادسة والنصف من صباح هذا اليوم الخامس من حزيران قامت وحدات من قوات العدو الجوية والبرية بالاعتداء على المناطق العربية، فتصدت لها قواتنا العربية – وتم إسقاط ثلاث وأربعون طائرة معادية، أما عن القوات البرية، فقد اخترقت جيوشنا جيش العدون وتقدمت الى قلب فلسطين، ايها الاخوة، اليوم يومكم، يوم الثأر، يوم الانتظار الذي مللناه".

   -  يلتحق عادل ومحمود وكامل بالقوات المندفعة الى المعركة، سوريا تتقدم جنوباً يحالفها النصر، ومصر تتقدم شمالاً، والأردن يدق كيان إسرائيل بمدافعه ويزعزع وجوده.

   -  ثلاثتنا "كامل ومحمود وأنا" تطوعنا لمعركة المصير والشرف، واتجهنا الى القدس مباشرة.

-         كانت طائرات الميراج العدوة تحلق فوق الرؤوس، والجماهير العربية تعتقد انها طائرات عربية تحمي السماء العربية.

   غيرت الطائرات المعادية مجرى المعركة وسجلات التاريخ، وعرف الجميع ان العرب خسروا المعركة، وإسرائيل تعلن من خلال المذياع "دار الإذاعة الإسرائيلية من أورشليم القدس ورام الله".

   - كان الجميع في حالة هذيان تام، لم يصدق أحد ما يشاهده بأم عينيه وما يجري حوله، وعادل يقول بعد اصابته اصابة مباشرة: "جئنا الى المعركة لنعيد الأرض، وفي اعتقادنا اننا في نزهة نمتع بها أعيننا بجمال فلسطين".

    فقدوا كل شيء، حتى أظافرهم وأسنانهم.

    قاوم عادل بجسده، وتلقى عدة طلقات، لكنه لم يمت، كان حال نفسه يقول:"تستطيعون قتل جسدي، لكنكم لن تستطيعوا قتل روحي، إن لي أخوه على الطريق، بدأوا من الظلام، وسينتهون بالضرب وسط النهار، لقد بدأوا بالزحف، وسيصلون عاجلاً أو آجلاً"، أطلق أحدهم النار عليه ثانية، سقط على الأرض، ارتطم وجهه ببلاطة فصحا من غفلة الموت، كانت تتراءى له اشباح الجنود من كل مكان بوجوههم الصفراء واشكالهم الكالحة، شاهد الدم يتسرب الى اصابعه ويملأ جسده، امتدت سبابته على البلاطة التي شهدت نهايته وكتب متحدياً كل من يقف في طريق العودة.. "لا بد من العودة وسنتصر".

    تستعرض الرواية سيرة الكاتب الذي يمثل الشباب العربي فترة الستينات والطموح الذي يحلم به.. الى ان يهزه الواقع المؤلم المتردي الذي عايشه في نكسة حزيران فتتبخر الأحلام، ويصطدم بالواقع المرير.

    هذا الشاب الفقير الذي أنهى الثانوية العامة، ولم يكن بمقدوره مواصلة الدراسة الجامعية، والده ينتظر ذلك اليوم الذي يتوظف فيه ابنه أو يعمل أي عمل ليساعده في إعالة أسرته، الا ان هذا الشاب لا يجد عملاً – ورغم الفرص التي أتيحت له للكسب الحرام الا انه يرفض، فتربيته الصالحة تدفعه الى الصمود، لكن صموده يصطدم بالواقع منذ اللحظة الأولى التي يقتل فيها اعز صديق له اثر اعتداء إسرائيلي مدبر على قرية السموع، مما يدفعه للبحث عن البديل ومحاولة الانخراط بالعمل الثوري سراً للعثور على شخصيته عبر الطريق الى تحرير فلسطين.

    ورغم محاولاته، الا انه يفشل، ويدفعه ذلك الفشل ليبيع دمه الى بنك الدم للحصول على اجرة الطريق التي تقوده الى لبنان، وهناك يلتقي بعائدة التي احبته، ورغم انه احبها الا انه كان يناضل في سبيل الابتعاد عنها، لانه انسان إنسان معدم، ولا يجوز له ان يحب ويعيش مثل الآخرين.

    تلك الأيام كانت مقدمة حرب الخامس من حزيران، حيث أعلنت الجيوش العربية والحكومات العربية انها تنوي سحق إسرائيل، فيلتحق بالجيش، لكنه يفاجأ بدمار الجيوش العربية، بينما الحكومات لا تعترف بنصر إسرائيل عليها، وتحول هزيمتها الى نصر إذاعي وكلامي بعد ان خسرت الدول معظم أراضيها المحيطة بإسرائيل.

    ومع تبعثر الجيوش وشتاتها، يجد نفسه يحمل السلاح ويتسلل الى القدس مع رفاق له، لكنه لا يجد غير الدمار والموت، وهناك وهو في خندق يتذكر ماضيه والاحلام التي كان قد بناها لمستقبله قد انهارت فجأة، فيفضل الموت على الحياة.

    عالم الرواية (الهذيان) للأستاذ ابراهيم عوض الله عالم واقعي، يقع تحت بصر الكاتب، عالم من الفوضى التي لا ضابط لها، تحكمه المصادفة والاتفاق، لم يستطع ان يغير في مجريات حياته لكنه أراد، فلم يستطيع، وهذا الذي دفعه للتضحية بنفسه، ورغم ان الرواية عميقة ودقيقة، الا اننا لا نستطيع ان نتملق أنفسنا وندعي انها تتفوق على غيرها.. انما تتفوق فقط في الأسلوب والمنهج الذي يكمن في السلوك الإنساني، وفي محاولته إيجاد تقنيات جديدة مثمرة للاندفاع في الحياة.. أستطيع ان أقول انه أدب خالق، لا أدب خيالي؟ لأنه يسطر تجاربه التي استمدها من الحياة بنفسه.. استمدها من واقعه من اكثر الأحوال.

    بطل الرواية إنسان معذب – عرض لطرف من حياته – على ما مر به من تجارب مؤلمة من فقر عائلته وبحثه عن العمل ثم دراسة تفصيلية لسيرة حياته – وأخيراً انتهى بمأساته – الموت.

    في المجال الفني نرى ارتباطاً وثيقاً بين قوة البطل وإرادته بشيء الاستنتاجات.

    ليس هناك عبارات معقدة وأن كانت عميقة في المعنى، وفي هذا تبسيط على مستوى من فهم أصيل وذوق سليم.

    الكاتب يوظف في روايته بعض الموروثات الأدبية والدينية، يضعف الرواية التطويل والمبالغة (بعض الأحيان) في بعض المواقف.

    اسلوب الكاتب اسلوب شكلي فصيح دون ان يصبح حاداً، يجمع المعنى العميق والموضوع الشفاف – فالإنسان يتعذب والعقل يخلق، وفي مقدوره أن يهضم العواطف التي هي مادته، ويشكلها على وجه اكمل في روايته.

    يقول القاص ابراهيم عوض الله الفقيه دائماً : يجب ان نكافح لنحتفظ بالحياة طالما اننا لا نستطيع ان ننتصر عليها.. هذه الأحداث الراهنة التي مررت بها خلال خمسين عاماً بعثت في نفسي تخاذلاً في الروح يختلف عن كل تجربة شخصية مررت بها.. تجربة لا يمكن ان تتحول الى عاطفة جديدة.. فانا لم اعد أحس بالحماسة كي أكون ورقة عائمة على سطح الماء بعد الهزائم التي لحقت بالأمة العربية خلال هذا القرن.

    هذه نظرة انسان مقهور ومعذب، لكنه يتوجه بالأمل نحـو المستقبـل.

    الكاتب في رواية الهذيان نجح في التنقل ما بين الزمان والمكان، ورسم شخصيات واقعية بلغة واقعية، واستطاع تتبع هذه الشخصيات بطريقة السرد والحوار والاسترجاع.

    كما استطاع الكاتب ان يحمل الرواية هموم المجتمع الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والفكرية.

    الأسلوب هو قص سردي – وهو أسلوب مذكرات.. وهنا نرى الكاتب قد اندفع وراء القضية الهم الشخصي بأسلوب مبسط وغير معقد، وهذه كتابات الفترة الحزيرانية التي اتسمت بالضياع والارتجالية.. وكان هم الكاتب هو الإلحاح على القيمة الحياتية لا القيمة الفنية للرواية.. فهي رواية أفكار تعبر عما يدور داخل الذهن دون تخطيط للنهاية.

    فيما بعد نرى الكاتب قد شغله التحليل في الرواية أكثر من الحدث نفسه – فبرزت كتاباته الجديدة واقعية تحليلية ومتقدمة – مما جعله يحقق نقلة نوعية ومهمة في عالمه الروائي. 

    ومنذ بدايات كتاباته في السبعينات حتى اليوم، نلاحظ بروز الهموم العربية القومية في أسلوبه القصصي من خلال رصده للإنسان الفلسطيني، أحزانه وأماله، والعربي في طموحه ومعاناته.. لكن هذيان ابراهيم عوض الله ذو طابع خاص، إنه مصور من خيال وواقع، وملون بألم وأمل، ومتحول شديد التحول من الخيبة إلى النصر، من اليأس إلى الرجاء، من الموت إلى الحياة.

    تمتد يد البطل وهو يتحسس روحه المتدفقة من الثغرات التي فتحها رصاص العدو في جسده، تمتد يده لتكتب بالدم المتدفق، على بلاطة هي الموجود الوحيد الذي تلقاه، ووضع رأسه الهاذي على الصدر الصخري القاسي، تمتد يد الميت المهاجر إلى الأبد لتكتب على صدر البلاطة الشاهدة "لا بد من العودة وسننتصر..".

    هذا الهذيان الذي يحول الموت إلى حياة، والغياب فجر حضور، هو نوع من هذا الهذيان مقبول.

   العيش للغير في بداية القصة، والموت للغير في نهايتها، لكي يعيش هذا الغير، ولكي ينتصر ويعود إلى بلاده.. هذا أحب ما تدار من أجله الأقلام، وتسود الصحف، بل وتفجر القنابل. 

 

 

 

 

 

 

العودة لقائمة المؤلفات
  حقوق الطبع ©2017 صوبـــا. جميع الحقوق محفوظه
زوار الموقع : 332041
  تصميم و تطوير