ظمأ السنابل / رواية

 

            

 

تحميل الرواية

 

جريدة الرأي الأردنية – الجمعة 11/1/2008م – الرأي الثقافي ص6

ظمأ السنابل – شخوص معقدة بفعل وطأة الحدث التاريخي

د. عالية صالح – كاتبة اردنية

سرد يمتد ويتشعب، زماناً يمتد من ممطلع القرن العشرين ويستغرق القرن كله، ويتجاوزه إلى مطلع القرن الواحد والعشرين، ويبدأ حاضر السرد مع لحظات احتضار الوالد، ويتزامن مع الحرب على العراق.

إنها حكاية أسرة فلسطينية تمتد على ثلاثة أجيال، ترويها الحفيدة جهاد، تروي حكاية الجدين وأبناءهما، وتروي حكاية والدها مع والدتها، ومع زوجته الأخرى، حكاية عمها الشهيد علي، وحكايتها هي وأخوتها.

يتزامن ميلاد شخوص الرواية مع الأحداث السياسية المفصلية، يولد أول شخص فيها (الجد) مع مطلع القرن العشرين، ويقترن بالجدة المولودة مع وعد بلفور، تنجب الجدة ابنها (صالح) في العام الذي أعدم فيه الانجليز شهداء الوطن فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير.

وتتوالى سنوات الانجاب، يولد الشهيد على تحت القصف والخوف والرعب أثناء مذبحة دير ياسين، وتولد الأم سنة الهجرة من فلسطين، وتموت والدتها بعد وضعها مباشرة، ويستشهد والدها في العام نفسه وهو يدافع عن الوطن.. أما شقيقها الوحيد الذي يكبرها بأعوام، فقد هاجر بعد زواجها إلى أمريكا. تتزامن ولادة جهاد مع انطلاقة الثورة الفلسطينية، ويتزامن زواج جهاد من السعودي وزواج وفاء من الكردي العراقي مع خروج المقاتلين من بيروت 1982م، تنجب جهاد من الزواج من السعودي بنتاً بكماء لا يمتد العمر بها، إذ تنتقل إلى الرفيق الأعلى، وتظل صورة للعلاقة، أما وفاء فيستمر زواجها وتنجب أبناء.

تظهر العلاقة بين الرواية والتاريخ وثيقة للغاية، حسب جورج لوكاش، إذ ظهرت الرواية كنوع أدبي علامة على بزوغ عصر جديد وفئات اجتماعية صانعة للتاريخ، فكانت من ثم النوع الأدبي الذي يدل على صعود البرجوازية الاوروبية، ومختبراً لفحص تطلعاتها، اضافة إلى هذه الصلة الوثيقة بحقبة تاريخية محددة من تاريخ البشرية، فإن التاريخ هو موضوع الرواية، تاريخ البشر والمجتمعات والفئات الاجتماعية الطالعة، وكذلك الهامشية المقيمة على أطراف المجتمع، والأهم من ذلك تاريخ الفرد الذي يعد موضوع الرواية بوصفها نوعاً أدبياً حديثاً يشخص أتواق الأفراد وعالمهم الداخلي والفجوة العميقة القائمة بين سير هؤلاء الأفراد ومحيطهم الاجتماعي.

تتميز شخصيات الرواية بكونها "ذات محتوى سيكولوجي خصب ومعقد معاً، فهي حبلى بالتوترات والانفعالات النفسية التي تغذيها دوافع داخلية نلمس أثرها فيما تمارسه من سلوك وما تقوم به من أفعال، ومن جانب آخر فهي تعاني من تناقضات في تركيبها النفسي تؤدي بها إلى الاستسلام للنزوات، والانقياد للرغبات الدفينة، وتجعلها نتيجة لذلك تفقد التناسق الضروري لكل شخصية سوية، ويترتب على هذا كله تلك الصعوبة التي تصادفها إقامة علاقات سليمة وصحية مع الآخرين، بل إننا لا نكتشف خاصية الكثافة السيكولوجية إلا من خلال علاقتها المتوترة بمن يحيطون بها أو من يقعون تحت تأثيرها.

شخصيات ذات سيكولوجية معقدة أنتجها التاريخ بأحداثه السياسية ذات ذات الكثافة السيكولوجية. شخصيات لا تستطيع التصالح مع نفسها ولا مع الآخر، والشخصية ذات الكثافة السيكولوجية شخصية واقعية، صادرة عن ظروف معينة، فمن الجاني عليها؟ ومن المسؤول؟.

ظهر هذا جلياً في شخصية الأب عانى من التشرد وعنف أبيه الذي مارسه عليه، فمارس هذا العنف مضاعفاً على زوجته وأبنائه، مصادراً حقهم في اتخاذ موقف أو قرار، "أما حالة والدي فهي حالة الفلسطيني الضائع".

ورواية "ظمأ السنابل" هي حكاية أسرة فلسطينية ممتدة على ثلاثة أجيال، تتنقل في المنافي بعيدة عن أرضها، تتعرض لأنواع مختلفة من المعاناة "حكايتي حكاية الأسر الفلسطينية المشتتة والمعدمة، حكاية تناسلت مع الأجيال في زمن الغربة والقهر والتشرد"، وتنعكس المعاناة على شخوصها مما يجعلها شخوص غير سوية ذات كثافة سيكولوجية.

"بدا لي أننا مشوهون من الداخل، وغير مؤهلين لحياة الاستقرار، فقدنا الأمل والفرح قبل ألم المخاض". عاشت الأسرة بداية في ظل والدي متباغضين، أب شكاك، يصب جام غضبه على الأم، يمارس عليها كافة صنوف المذلة والمهانة، حصيلة الزواج أربعة أبناء، ومع ذلك يطلقها الأب ويتزوج امرأة أخرى، يسافر معها إلى السعودية، يتخلى الأب عن أولاده ويقوم على رعايتهم الجد، ثم تتزوج الأم وتسافر إلى أمريكا، يعود الأب ويصطحب أبناءه للعيش معه في السعودية مع زوجته في بيت واحد، تسومهم الزوجة سوء العذاب، يزوج ابنته جهاد من سعودي مقابل المال، ويزوج ابنته وفاء من كردي دون أدنى مقومات الزواج ليرتاح من عبئها، لا تستطيع جهاد الانسجام مع زوجها فتطلب الطلاق، تكون حامل وتعود إلى بيت أهلها، وفي ساعة المخاض ينقلها أخوها إلى الأردن لتلد في مستشفى معان مولودة أنثى، تسميها أمل، تنتقل للعيش مع جدتها  ويقوم أخوها محمود بالإنفاق عليها، تكتشف أن ابنتها بكماء، تصاب ابنتها بالحمى وبعد مدة تفارق الحياة، تظل أسيرة ابنتها، تصبح الوسادة هي المعادل الموضوعي للبنت المفقودة، وعندما تسال عن سبب تشبثها بالوسادة وما يلصقها بها هذا التشبه من تهم، تقول "إنها وسادة أمل".

وكما شهرزاد تسرد لتسترد الحياة، تقوم جهاد على السرد لتلقي الضوء على ما مرت به من حيثيات وتجارب من خلال سردها لأحداث الرواية سرداً متشظياً، وهي تروي بصوتها وتعابيرها الخاصة كشخصية مشاركة في الحدث، تروي بضمير المتكلم الأحداث، وقد قاد استخدام ضمير المتكلم إلى إذابة الفروق الزمنية بين السارد والشخصية والزمن جميعاً، إذ كثيراً ما يستحيل السارد نفسه في هذه الحال إلى شخصية وكثيراً ما تكون مركزية، والراوية جهاد هي الشخصية المحورية في الأحداث، فمحورية في دور جهاد في "ظمأ السنابل"  وسرد أحداث الرواية على لسانها، أي من وجهة نظرها بالضرورة، يشكل المفتاح الضروري لدخول عالم هذه الرواية.

إن اسلوب ضمير المتكلم هنا هو بمثابة شاهد عيان ذاتي السرد، محوري البناء، وهذا الشاهد يحضر كل فعاليات القصة، لأن القصة تتم من خلال عدسة الراوي المتكلم/ المشارك في الأحداث حسب تصنيف فريدمان، ويرافق ذلك التزام صارم بفضاء الأسرة، لأن الأحداث الرئيسة التي ترغب الرواية أن تقدمها لنا هي أحداث الأسرة باختصار، وإذا ما خرج التصوير عن دائرة الأسرة فإن ذلك الموقف الثانوي هو في الغالب امتداد لأجواء الأسرة أصلاً.

إن الراوية تقوم بمهمتها السردية ببعد كبير عن الموضوعية مكرسة مقولة المرأة التي لا حول لها ولا طول، العاجزة التي تكتفي بسفح الدموع وتبقى أسيرة المواضعات الاجتماعية التي فرضها عليها المجتمع، والتي تستعيض عن الفعل باللافعل، والسرد هو بديل الفعل.

إنها بكائية امرأة تخلى كل شيء عنها، الأهل والحظ والقدر، ينقذها من هذا التفسير الرمزي الذي يؤشر على كونها ليست امرأة حقيقية، وانما هي رمز للثورة الفلسطينية بمراحلها ومحطاتها المختلفة التي لا يرى الروائي فيها محطة مشرقة، إنما هي وجود شكلي لم يحقق الغرض من ولادته.

تمتد الرواية على 143 صفحة من القطع المتوسط، وهي تختار من الزمن اللحظات المفصلية التي وقعت فيها أحداث بارزة تخص القضية الفلسطينية وترتبط بالأمة العربية، وجاءت حركة الشخوص فيها متواكبة مع المفاصل الحديثة مما كثف دلالة الشخوص.

ثم تقسيم الرواية إلى ثلاثة فصول، يسرد الأول ذكريات الأردن، والثاني الرحيل إلى السعودية والعودة منها، ويأتي الفصل الثالث سارداً بعد مرور عشر سنوات على رحيل أمل والموت بأشكاله الذي اجتاح الأسرة، وثمة تقسيم آخر في الرواية، فالرواية مقسمة إلى 47 مقطعً مرقماً، هذه المقاطع والترقيمات لا تتوقف عند الفصول، بل تظل مستمرة عابرة الفصول، لا يوقفها انتهاء الفصل.

وتحمل الأسماء التي اختارها الروائي لشخوصه مقروئية عالية (جهاد، وفاء، محمود، صابر، علي، أحمد، صالح، أمل)، وهناك شخوص بلا أسماء عبر عنها من خلال دورها (الأم، الأب، الجد، الرجل السعودي، الرجل الكردي، زوجة الأب).

ويؤخذ على الرواية أنها انحازت إلى فئة واحدة من الشخصيات، فهي كلها شخصيات عاثرة، وليس هناك أي شخصية معتدلة أو قادرة على اختراق واقعها، الشخصيات منقادة لواقعها البائس ومغرقة في السوداوية، لم تر يوماً أبيض، كل أيامها سوداء.

وثمة لحظة واحدة مرت في حياة الأب كانت عارمة، وهي يوم قاتلَ في معركة الكرامة، هذه الحادثة اليتيمة في الرواية، أما السرد الحدثي فكان سريعاً ومتعجلاً، ما يزيد على قرن بمفاصل حدثية كبرى ب 143 صفحة من القطع المتوسط، فيما تحتاج الفترة بزخمها إلى رواية ضخمة من أجزاء عدة.

 

 

ظمأ السنابل رواية جديدة للروائي ابراهيم عوض الله

 

 

Posted: 30-08-2007 , 07:21 GMT

 

 

صدرت رواية للكاتب ابراهيم عوض الله بعنوان "ظمأ السنابل" عن دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع. الكتاب يقع في 144 صفحة وفي ثلاثة فصول.وكان قد صدر للكاتب عدة روايات هي: الهذيان والقربان ومازال للصبار روحا وطبعة ثانية من رواية جذور في طريق التحرير ورواية الصمت المعبر ورواية صوبا وتتناول تاريخ وطن وحياة قرية.
كما صدرت له رواية "الخريف واغتيال احلام" ، ورواية "الارض الحافية" و"نوافذ الغضب". ولديه مخطوطة لمجموعة قصصية بعنوان"احلام ملونة"ورواية "دنيا".

© 2007 البوابة(www.albawaba.com)

----------------------------------------------------------------------------

"ظمأ السنابل" لإبراهيم عوض الله الفقيه

رواية الجرح النازف

من كتاب (المرجع وظلاله) قراءات في روايات من الأردن، للكاتبة والأديبة هيا صالح، الصادر عام 2011م

   تتبع رواية "ظمأ السنابل"" لإبراهيم عوض الله الفقيه خيط الهزائم والكبوات العربية منذ نكبة حزيران 1948م، مروراً بكامب ديفيد فمذابح بيروت في أوائل الثمانينات إلى الحرب على العراق التي بدأت في التسعينيات واتسع نطاقها منذ مطلع الأفية الثالثة.

   ظلت الرواية تستند في أحداثها إلى وقائع التاريخ دون أن تبتغي أن تكون وثيقة دقيقة له، أو سجلاً عنه، فهي تركز على علاقة الفرد الشخصية من منظور حركية التاريخ وتصارع القوى الذي أفرز شعوباً مطحونة ومنكوبة ومشتتة، تعاني أوضاعاً درامية مأساوية، فسقوط فلسطين، وتهجير شعبها وطرده من وطنه قسراً خلّف هزائم أخرى موازية تقبع في داخل كل عربي ظُلم واضُطهد وعانى.

   ومنذ البداية، تقرر الرواية بضمير الأنا "حكايتي وأخوتي حكاية الأسرة الفلسطينية المشتتة والمعدمة.. حكاية تناسلت مع الأجيال في زمن الغربة والقهر والتشرد.. أما حالة والدي فهي حالة الفلسطيني الضائع" (ص 12) الوالد الذي يأتي ترتيبه الرابع بين إخوته، الذين تجمعهم علاقة مرتبكة بوالدهم (الجد) الذي كان يعاملهم بقسوة، وكأنما يفرغ قهر الحياة له بقهره لهم، كان يمنّي النفس أن يتمّوا تعليمهم، لكنهم جميعاً لم ينجحوا في الدراسة، إذ رحل ولداه صالح وأحمد، وظل والد "جهاد" (الراوية بضمير الأنا) في مواجهة جبروت الأب، وكان يبحث عن سبيل للخلاص من سلطة أبيه ومضايقته له بصب جام غضبه على عائلته، مما طبع هذه العائلة باللااستقرار، وشوّه أفرادها من الداخل، ليظل السؤال الملغز لهم: "ما الذي جنيناه حتى نؤذى وندمر على هذا النحو؟". (ص12)

   هي متوالية لدوائر مغلقة، أولاها كبيرة، تتبعها دائرة أصغر، فأصغر.. حتى يضيق الخناق فتخرج الروح من جسدها ألف مرة دونما الوصول حتى إلى ما يُظن أنه روح الموت، الهزائم العربية المتلاحقة تطوق الجد، والجد يطوق الأبناء، والأبناء يطوقون أبناءهم (الأحفاد).. وهكذا صراع يولد آخر ويصنع من البشر قنابل موقوتة قابلة للانفجار في كل لحظة، ف "أبو جهاد" وهو الشخصية الرئيسية في الرواية: "رجل مُحبط هالك، عابر في الأزمنة العربية الرديئة، أزمته أزمة الأجيال المشردة التي عاشت بلا وطن.. إنسان هامشي ولاجئ بلا أمل.. كان يتصرف على هواه، يشعر أنه محبط دائماً، ولا أمل له في تحقيق هدف.. وحين يعود إلى صباه يكفهر الجو ويتساقط مطر أسود يغرقه بوحول الأغوار والبساتين والفلاحة ومطاردة الثعالب والخنازير وصيد الأرانب البرية والطيور"، (ص 19).

   وكما تلتهم دوائر الهزيمة الإنسان العربي، فإن النصر أيضاً يعيد له بعضاً من توازنه الداخلي، فعبره تطل بيارق الأمل، وهذا ما حدث بعد انتصار الجيش العربي على اليهود في معركة الكرامة، التي أعادت للنفس العربية حلماً عارماً بالنصر، ففي يوم الانتصار يظهر "أبو جهاد" والذي شارك في المعركة، على غير عادته: "كان فرحاً وهو يحمل بندقية سريعة الطلقات، قال إنه قتل جندياً يهودياً واستولى على سلاحه، ثم حمل أخي محمود وراح يقفز ويرقص بيننا ويقول: انتصرنا.." (ص22)، لتنتقل العائلة بعد المعركة إلى عمّان وتستقر في أحد المخيمات.

   جاء السرد بضمير الأنا وعلى لسان راوٍ واحد هي "جهاد"، وتعددت الشخصيات التي كانت شهود عيان على ما حدث ويحدث من اعتداءات وحروب خارجية ابتلعت الوطن واستلبت الأرض وشتتت الأهل، ومن حروب داخلية أيضاً، إذ عاشت كل منها معاناتها الذاتية وأزمتها وعزلتها وغربتها متجرعة آلامها، وهي تعوم في حالة يأس ناتجة عن عبثية الوجود وعقم الحالة العربية.

   فالراوية "جهاد" هي الابنة التي لم يكن مرحّباً بمجيئها للحياة منذ صرخة الولادة، إذ كان والدها يمنّي النفس أن يُرزق بولد، فلاحقتها لعنته التي شكلت مسار حياتها اللاحقة، بدءاً من اسمها المحايد، ومروراً بشهادتها على الظلم الذي ألحقه والدها بوالدتها وإخوتها، ومن ثم زواجها القسري الذي لم يدم طويلاً، ثم فقدها لابنتها أولاً ولأخيها محمود ثانياً، لتظل تنهشها الكوابيس الليلية وتقتات عليها: "غيلان كانت تخرج من السقف كل ليلة، تربض على صدري.. وحكايات أمي تحفر باستمرار في مسامعي، حكايات تدور كرحى الطاحون ليلاً نهاراً ولا تتوقف، تترك في داخلي آثاراً هيكلية قديمة ذات أصداء، أسمع فيها حس الحشرات تنخر وتتقدم وتسري في دمي. (ص13).

   أما "محمود" الأخ الأصغر ل "جهاد"، فتترك الضغوطات المتعددة من طلاق والدته، وترك والده والسفر بعيداً بعدما تزوج من أخرى، ثم زواج والدته ورحيلها، آثاراً مأساوية تحفر عميقاً في نفسه، لكنه يظل يحلم بالانضمام إلى كتائب المقاومة في لبنان، وكان "حنظلة" رفيقه الأثير، الذي يعبر عن حالة الحصار واليأس التي يعيشها، حيث كان محمود يتصفح المجلات ويفتش الصحف اليومية ينقب فيها عن صورة لحنظلة، الولد ابن العاشرة والذي يحمل عمر أجيال، وسيبقى كذلك إلى أن يتم تحرير فلسطين.. وعندما يُغتال ناجي العلي ينهار آخر معقل كان يحتمي به محمود من السقوط النهائي، وهو ما يكشف عنه حوار جهاد معه:

"- قرأت هذا اليوم خبراً مفاده أنهم اغتالوا حنظلة في لندن، لكن حنظلة أكبر منهم وأقوى، حنظلة لن يموت، فقط أدار ظهره للقتلة ورحل يحمل معه ابتسامته الساخرة.

-        اعتقدت أنهم اغتالوا أحداً من الأقارب، أو أحداً يهمنا أمره.

-        أنت لا تعرفين من هو حنظلة بالنسبة لي.. إنه ناجي العلي.. لقد قتلوا ناجي العلي والد حنظلة.. حنظلة صخرتي التي كنت أتشبث بها أيام الشدة". (ص116).

   وكذلك وفاء الأخت الصغرى، والتي يزج بها إلى بيت الزوجية وهي لم تبلغ الثامنة عشرة بعد، والجدة التي تقتات على ذكرى ابنها الشهيد وبقايا ملابسه التي وجدوها بعد استشهاده.. شخصيات مسحوقة ومهمشة وضائعة، لا ترى في سلسلة حياتها ومضة من ضوء.

   وحتى بصيص الأمل الذي ينبلج من بين صفحات الرواية بولادة جهاد طفلتها "أمل" التي ترمز إلى الجيل القادم، لا تمدها الحياة بأسباب البقاء، فتموت على سري المرض في إحدى المستشفيات.

   وقد خيم المصاحب للحرب والناتج عنها، بظلاله على صفحات الرواية الأولى، حيث مشهد النزاع الأخير للأب، يترافق مع بداية الحرب على العراق، وتنتهي الرواية بمشهد الموت والحرب معاً أيضاً، إذ يستشهد "محمود" على أرض فلسطين، وكأنما الرواية تشير بذلك، إلى دورة التاريخ المكرورة رغم تبدل الوجوه والأسماء: "كنت أشاهد التلفاز وأرى التاريخ يعيد نفسه عبر الذاكرة، وقطعان التتار تعبر حواري بغداد من جديد هائجة كقطيع الليل.. هولاكو يحتل بغداد، وجيش المغول يجتاح الأرض العربية، يدوسون رقاب العرب، والناس يتفرجون بعيون بلهاء على الفضائيات ويصفقون للفاتح الجديد.. ماذا يجري!، تساءلت في قرارة نفسي، وتمنيت لو أصرخ.. بدا السؤال سخيفاً أسخف من الأمنية وأعقم من كل الأجوبة". (ص14).

   ورغم اعتماد الرواية في تقديم شخصياتها على الوصف الخارجي، إلا أنها استطاعت بموازاة ذلك، إبراز الصراع الجواني الذي تعانيه، والغوص في حالاتها النفسية وتحليلها بما يتوافق مع تحليل أسباب الهزيمة العربية، ورغم سير السرد في إطاره العام بشكل متراتب ومنطقي، إلا أنه كان هنالك في مواضيع عدة خلخلة للزمن، واستثمار ناجح لتقنيات الحلم والكوابيس والهذيانات، وقد بنيت الرواية وفق تقنية تبدأ من حيث تنتهي في إشارة إلى مدارات إنسانية ووجودية وتاؤيخية تتكرر دائرياً بلا نهاية.

   يمكن القول أخيراً إن "ظمأ السنابل" هي رواية الجرح العربي النازف، وقرابين النصر القادم: "من أجل فلسطين، من أجل دماء الشهداء، من أجل النساء والشيوخ والأطفال، من أجل عمي الشهيد، ومن أجل كل من أحبّ تراب الوطن". (ص143).

 

 

 

 

   

 

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العودة لقائمة المؤلفات
  حقوق الطبع ©2017 صوبـــا. جميع الحقوق محفوظه
زوار الموقع : 332050
  تصميم و تطوير