الباب العاشر المقاومة وسقوط صوبا وشهادات معاصري الاحداث

     كتاب صوبا - تاريخ وطن وحياة قرية (ابراهيم عوض الله الفقيه)

 

البـاب العاشـر

 

صوبا في النصف الأول من القرن العشرين

 

  المقاومة قبل سـقوط صوبا

  صوبا وحـرب عام 1948م

  معركة القسـطل

  سـقوط صـوبا

  الرواية الإسرائيلية عن معارك صوبا 1948م

  صوبا بعد الرحيل

=======================================

 

صوبا في النصف الأول من القرن العشرين 
    المقاومة قبل سقوط صوبا

 

    المقاومة في أهالي صوبا ليست بالشيء الجديد عليهم، فقد ذكرت التقارير أنهم قاوموا ابراهيم باشا أثناء غزوه لصوبا ومحاصرته للثوار، وعندما اقتحمها بعد عدة هجمات، دمّر حصنها وسورها، ونكّل بأهلها، وشتّتهم إلى القرى المجاورة، كما أعدم أحد أبناء القرية أمام أعين أبنائها، ليرهب به بقية أهل صوبا والقرى المحيطة بها.

    ولم يكن أهالي صوبا بعيدين عن الأحداث التي كانت تدور حولهم في فلسطبن، فكما شاركوا في الحروب الأهلية، فقد شاركوا أيضاً في الحرب العالمية الأولى بجانب القوات العثمانية، فقد جندت القوات العثمانية بعض شباب صوبا وبعثت بهم إلى مواقع القتال لصد هجمات الحلفاء، كما أرسلوا بعضهم إلى ميادين القتال في قناة السويس "الترعة"، وإلى اليمن وغيرها من مواقع القتال.

    وكان مركز التجنيد في القدس وقضاها في مبنى قلعة القدس المعروفة ب (القشلة)، فكان بعض الشباب يتهرب من التجنيد وبعضهم يعمل بنفسه عاهة كقطع إصبع يده الكبير، أو يدفع فدية من المال عوضاً عن تجنيده.

    وعندما دخلت القوات البريطانية الأراضي الفلسطينية وتراجعت القوات التركية أمامهم، تمركزت القوات التركية في الجبال المطلة على باب الواد في جبال أبو غوش وصوبا وساريس، ودارت بينهم معارك طاحنة أوقفت تقدم القوات البريطانية من التقدم نحو مدينة القدس عبر جبال صوبا وأبو غوش، وحيال ذلك أصدر اللنبي القائد الإنجليزي أوامره بإيقاف الهجوم على القدس والوقوف عند خط قرية صوبا وقرية العنب وبيت سوريك، حتى يجمع قواته من جديد وتصله إمدادات جديدة.

    وقد دخلت القوات البريطانية صوبا والقسطل أبو غوش بتاريخ 20-21/11/1917م بقيادة اللنبي بعد معارك دامية متقدماً من بيت عمواس، وقد شارك أبناء صوبا في المقاومة جنباً إلى جنب مع أبناء القرى المحيطة بهم، ومع أبناء فلسطين عموماً، واستشهد عدداً منهم.

    وبعد أن احتلت القوات البريطانية مدينة القدس وباقي فلسطين، قامت سلطات الانتداب بجمع الأسلحة من الأهالي، ثم فرضت الضرائب على المحاصيل الزراعية، كما سهلوا هجرة اليهود إلى فلسطين، مما أدى إلى قيام الاحتجاجات والمصادمات مع الإنجليز واليهود، وأدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي  للبلاد في السنوات ما بين 1921-1929م.

    واصطدم أهالي قرية صوبا في هذه المواجهات مع القوات البريطانية واليهود قرب مستعمرة كريات عنيم، ففرض على القرى منع التجول عدة مرات ودخلت قوات الانتداب إليها بحجة ضبط الأمور.

    وفي ثورة عام 1936م التي عمّت جميع أنحاء فلسطين، أعلنت حالة الطوارئ، واستمر الإضراب ستة شهور، تحولت بعدها ثورة الاحتجاجات إلى ثورة علنية مسلحة اشتركت فيها طبقات الشعب كافة، وقد وقعت أشهر المعارك في باب الواد غربي صوبا، سقط خلالها العشرات من الثوار العرب والجنود الإنجليز واليهود، ومع ذلك لم تفلح القوات البريطانية في إخماد الثورة.

    وكما شارك أبناء صوبا في الثورات عام 1933م وعامي 1936 و 1937م، فقد قاوموا عملية بيع الأراضي وانتقالها إلى اليهود، ولم يذكر أن أحداً من أهالي صوبا باع أرضه ليهودي، أو لغير أبناء القرية، والوحيد الذي استطاع شراء قطعة أرض واحدة من أراضي صوبا بسبب فقر صاحبها هو عبد الفتاح درويش من قرية المالحة، ولم يستطع غيره الحصول على أي شبر آخر من أراضي صوبا، كما يروي كبار السن من أهالي القرية.

    أما الأراضي التي بيعت للدير فهي أرض اللطرون في العهد العثماني، وقد سبق الحديث عن الخديعة التي تمت بواسطتها سلب هذه القطعة.

    وفي العهد البريطاني تذكر التقارير أنه كان من أبناء صوبا الكشافة والثوار، وفي عام 1936م تم اعتقال العديد منهم بأمر من القائد فايز بيك الأدريسي في عهد الحكم البريطاني, وسجنوا في بيت لحم وأريحا وصرفند , ومن الذين تم اعتقالهم:

    ذيب نافع، مصطفى عمر، ومحمد صالح نصر الله، تم نفيهم إلى أريحا ثم إلى رام الله.

    ونصري عبد الرحمن، محمود عبد القادر، وطه محمود طه، نفوا إلى صرفند.

    وعبد الله شحاده، إبراهيم شحاده حمدان، سعيد صالح المصري، جبران خليل جبران، نفوا إلى بيت لحم.

    وقد أصيب كل من إبراهيم عبد الله شحاده ومنصور عودة ومحمد عبد الجليل بشظايا القنابل أثناء غارة للطيران الانجليزي على الثوار في بني نعيم – قضاء الخليل - عام 1936م.

    وفي نفس العام أعتقل نمر عبد الرحمن لحيازته على بندقية وسجن خمسة أعوام في سجن عتليت، ثم اكمل مدة سجنه في سجن نور شمس حتى عام 1941م.   

    وفي عام 1937م تم اعتقال محمد مصلح علي صالح، وقد توفي على أثر التعذيب.

    وقد أعدم بعضهم لوجود بندقية خرطوش في بيته ، وسُجن البعض الآخر لوجود بضع رصاصات فارغة في حوش بيته، ومنهم من نُسف بيته أو نُفي إلى قرى مجاورة مثل قرية العمور، ومنهم من حُكم مؤبد، والكثير منهم جُرح في معارك الثوار.

 

    وبعد مقتل خمسة من اليهود بالقرب من قرية صوبا قامت القوات البريطانية بتطويق القرية، وأجرت فيها تفتيشاً دقيقاَ واعتقلت عدداً من أبنائها، وقد أوردت جريدة الدفاع الصادرة صباح يوم 14/11/1937م على إحدى صفحاتها حول هذا الموضوع جاء فيه:

    (ذهبت قوة من الجند البريطاني من عشرين سيارة كبيرة إلى قرية صوبا وأجرت فيها تفتيشاً دقيقاً، لكنها لم تعثر فيها على شيء، وقد اعتقلت كل من السادة: يونس عبد العزيز، ذيب نافع، محمد سليمان، ذيب علي صباح، عبد الله اسماعيل، احمد علي اسماعيل، الحاج علي عليان ومحمد الأعرج.

    وصوبا واقعة على مسافة قريبة من المكان الذي قتل فيه اليهود الخمسة).

    ومع ذلك لم تتوقف الثورة، بل اشتدت واتسعت، فتسابق أبناء القرى إلى البذل والفداء فى عام 1939م رغم تدمير البيوت والمباني والمخازن في القرى والمدن ومنع التجول.

    ولموقع صوبا الاستراتيجي المهم، ولمعرفة الثوار بشعاب وهضاب المنطقة، فقد أصبحت مركزاً مهماً لتجمع الثوار، ينطلقون منها لتنفيذ عملياتهم ثم الانسحاب إليها، مما دفع القوات البريطانية لاعتقال معظم رجال قرية صوبا ووضعهم في سجن القشلة.

    وفي هذه الفترة شُكّلت لجنة مقاطعة من أبناء قرية صوبا تدعو إلى مقاطعة التعامل مع اليهود أو العمل معهم أو تزويدهم بالمواد التموينية، ومن مهماتها أيضاً مراقبة الطرق المؤدية إلى المستعمرات اليهودية، كما لديهم أوامر بمعاقبة كل من يمسك متلبساً بمساعدة اليهود وتسليمه إلى قيادة الثورة، وكان لهذه اللجنة الأثر الكبير في محاصرة عدد من المستعمرات القريبة وحرمانها من التعامل مع العرب.

    وقد داهمت قوات الانتداب البريطاني قرية صوبا عدة مرات بحجة التفتيش عن الثوار والسلاح، وكانت تجمع الرجال في منطقة مكشوفة من أراضي القرية وتحاصرهم بالأسلاك الشائكة وبرجال الجيش والبوليس عدة أيام وليالي، وقد أبقتهم في إحدى المداهمات تحت الحصار مدة تزيد عن الأسبوع في العراء تحت وهج الشمس الحارقة نهاراً والبرد القارص ليلاً بحجة استجوابهم والبحث عن السلاح وعن الثوار، ومع ذلك لم تفلح في إمساك أي ثائر أو أي قطعة سلاح فيها.

    وفي مداهمات الجنود الإنجليز للقرية كانوا يستعملون معهم أساليب عديدة كالتخويف والضرب والتهديد، ويخلطون المواد التموينية بعضها ببعض كالسكر بالطحين والأرز بالقمح والشعير والذرة وغيرها ويصبون عليها الزيت والكاز انتقاماً من أهل القرية، ويعيثون في البيوت من خراب ودمار وتكسير ونشر الخوف بين الأطفال والنساء، ومع ذلك كان أهل القرية حريصين على عدم ترك أي شيء داخل بيوتهم يعاقب عليه القانون، حتى السكاكين كان لها مخابئ خاصة، ولم تفلح القوات البريطانية باعترافات منهم على السلاح أو الثوار.

    ويذكر الأجداد والآباء أن الحامية البريطانية جمعت رجال أهل قرية صوبا عام 1940م، وسجنوهم في مكان تحت لظى الشمس لمدة أسبوع كامل، ولم يتركوا في القرية غير النساء والأطفال، ثم قاموا بتفتيش البيوت بحثاً عن الأسلحة بيتاً بيتاً، وهم يستجوبون النساء والأطفال.

    وفي تلك الفترة تم اعتقال كل من: يوسف حسن، محمد صافي، حسن مصلح، اسماعيل علي جبران، سعيد الشيبه، ذيب نافع عوض الله، محمد مصلح علي صالح، محمد صالح نصر الله، طه محمود طه، مصطفى عمر،سعيد صالح المصري، عبد الله شحاده حمدان، جبران خليل جبران، نمر عبد الرحمن، محمد صالح علي، احمد محمد عصفور، ابراهيم شحاده حمدان، محمد صافي، وغيرهم.

    ويذكر كبار السن أن الجنود حطموا أبواب البيوت، واقتادوا الرجال إلى السجن حيث تم اعتقالهم في سجن "كمب علار" جنوب سكة الحديد.

    وقد توفي بعض الرجال نتيجة الضرب المبرح، ولم يعش طويلاً بعد خروجه من السجن، ومنهم الشهيد محمد مصلح علي صالح رمان، كما شنق الشهيد أحمد محمد أحمد عميش لضبطه يحمل بندقية.

    وإجمالاً لم ينج أحد من أهل القرية من الاعتقال إلا ما ندر.

    وكانت المقاومة على شكل نجدات للقرى المحيطة بقرية صوبا، فكان أهل صوبا يتعاونون مع أهالي عين كارم ودير ياسين وبيت نقوبا والقسطل وصطاف ودير عمرو وقرية العمور أو خربة اللوز لصد أي هجوم يقع على هذه القرى.

    وفي عام 1937م شارك عدد من رجالات صوبا مع عبد القادر الحسيني في هجوم على قافلة يهودية.

    وفي هجوم آخر على اليشار تم تدمير مصنع للرخام شرق صوبا، أستشهد على أثره عمر علي أحمد مصطفى، كما جرح ذيب علي صباح.

    وفي عامي 1947م و 1948م اشترك عدد كبير من أهالي صوبا في الدفاع عنها، خاصة عندما أعلنت بريطانيا عن قرب نهاية الانتداب، فهرب من كان يخدم في معسكرات الجيش البريطاني، والتحق بالثوار بعد أن أخذ سلاحه، فكان بعضهم يشكل مجموعات من أربعة إلى خمسة رجال، يهاجمون الجيش البريطاني والقوافل اليهودية على شكل كمائن متقدمة.

    ومع أنه لم يكن بحوزتهم غير بنادق قديمة "سواري انجليزي وألماني وفرنساوي" التي كان يرتد فيها الرصاص إلى الخلف، أو يتفجر بداخلها فيصيب من حوله بجروح، وبعض المسدسات القديمة، أو بنادق الخرطوش التي تُعبأ وتُدك بسيخ حديد، إلا أن واحداً منهم لم يتهاون عن المقاومة، ولم يتقاعس رغم قلة عدد السكان وضآلة السلاح.

    وكان من نتائج الحرب غير المتكافئة بين الطرفين، أن نزح خلال العامين الأخيرين 1947م و 1948م عدد من أهالي صوبا إلى "عين رافا"، كما لجأ عدد آخر إلى العيزرية وأبو ديس، وبقي حماة صوبا والمدافعون عنها مع عدد كبير من الأهالي في قرية صوبا حتى سقوطها.   

*******

صوبا وحرب عام 1948م 

 

     معركــة القســطل :

    القسطل مرتفع استراتيجي، وكان الرومان يطلقون عليه أسم "كاس تيلوم" ولا تزال فيه بقايا قلعة صليبية.

    تمثلت أهم الهجمات العربية غرب بيت المقدس على القوافل لغرض قطع الطريق البري على اليهود, وإيقاف خط الإمداد الذي يربط القدس بـ تل أبيب, وإجاعة المستوطنات اليهودية البعيدة في النقب والجليل.

    ولعل معارك القوافل التي دارت خلال هذه الفترة عند مضيق باب الواد حيث يتصل طريق القدس بالسهل, وعلى الطريق المؤدية إلى النقب والخليل هي أشد المعارك التي دارت طوال فترة الحرب من حيث القسوة والوحشية.

    وفي تلك الفترة امتدت المعارك فوق الهضاب باتجاه القدس, وتقدمت وحدات من الهاجانا أثناء الليل لفتح الطريق المؤدي إلى قرية صوبا بالقوة, فحدثت اشتباكات شديدة.

    في الثالث من نيسان شنت قوات "البالماخ" أول هجوم لها على القسطل وصوبا, وتمكنت من احتلال القسطل والمحافظة على مواقعها، ولم يكن في القسطل سوى عدد ضئيل من المناضلين لا يزيد عددهم عن خمسين مناضلاً، أما في صوبا فقد صُدّ هجومهم وأوقف.

    ومن جهة الغرب, تقدمت وحدة من الجيش الميداني, واحتلت قريتي خلده ودير محيسن العربيتين اللتين تقعان على بعد ميل تقريباً من اللطرون, واستكملت احتلالها في السادس من الشهر.

   وقد ثارت ثائرة العرب بسقوط القسطل فقدم المناضلون وبدأوا هجومهم المعاكس الأول لاسترجاع القسطل في الرابع من نيسان، فاحتلوا التلال الواقعة بين القسطل وعين كارم بعد قتال عنيف.

    وقاد عبد القادر الحسيني قائد منطقة القدس العربية الهجوم بنفسه, وقد استقدم رجاله من مناطق بعيدة, فوضع إبراهيم أبو دية في القلب من الناحية القبلية من القسطل، ووضع حافظ بركات في الميمنة من الناحية الشرقية، وهارون بن جازي مع فريق من البدو مع أبناء صوبا في الميسرة أي في أراضي صوبا، وبقي عبد القادر مع عبد الله العمري وعلي الموسوس وثلاثة آخرون من شباب بيت المقدس في موضع القيادة، وانضم إليه رجال القرى المحيطة بالقدس, وهي تطبل وترقص وتهلل فرحا أثناء توجههم للقسطل, جميع الرجال ذهبوا إلى القدس ليحاربوا.

    في الخامس من نيسان نسف العرب الجسر القريب من قالونيا لمنع وصول الإمدادات والتعزيزات لليهود في القسطل.

    في السادس من نيسان 1948م هاجم الثوار مع أبناء صوبا (بقيادة كل من كامل عريقات وإبراهيم أبو دية وحافظ بركات) محاجر اليشار التابعة لليهود في أراضي صوبا، وأوقعوا باليهود إصابات كثيرة بين قتيل وجريح وخسائر كبيرة بالممتلكات، وقد قامت طائرة يهودية بصد الهجوم وقصف مواقع الثوار الذين تجمعوا مع المناضلين من أبناء صوبا حول القسطل. 

    وفي السابع من نيسان 1948م قام نحو 600 عربي بالهجوم على القسطل – دخلت المعركة يومها الخامس – وحاول العرب قبل الفجر اقتحام القسطل, ولكنهم ردوا على أعقابهم , وأصبحت القسطل كتلة من الركام, تتداخل فيها التحصينات والمدافع الرشاشة في كل الأماكن.

    وفي الساعة الحادية عشر من مساء السابع من نيسان شن المناضلون هجوما آخر ونجحوا هذه المرة, فدخلوها مهللين مكبرين، ورفعوا العلم العربي على أعلى بناية فيها، إلا أن سرور المناضلين باسترجاع القسطل انقلب إلى ألم عندما رأوا عبد القادر الحسيني مقتولاً وملقى على الأرض عند بيوت قرية القسطل من طرفها الشرقي، فدار قتال عنيف بين الطرفين دون نتيجة واضحة, ولحق المناضلون باليهود الفارين من المعركة وقتلوا منهم عدداً ينوف الخمسين قتيلاً.. وفي الساعة الثانية والنصف من صباح يوم 8 نيسان 1948م, سقطت القسطل بعد تناوب السيطرة عليها ثلاث أو أربع مرات حيث تم الاشتباك بالسلاح الأبيض، ومع أن القتال استمر حتى الساعة الرابعة من بعد ظهر الخميس الثامن من نيسان 1948م، إلا أن القسطل بقيت  في أيدي اليهود. "1"

    واستشهد عبد القادر الحسيني في معركة القسطل, ولم يعلنوا عن وفاته, لكن المناضلين عادوا وحطاتهم على رؤوسهم بدون عقله, دليلاً على الحزن والنكسة التي ألمت بهم.

    نُقل الشهيد عبد القادر الحسيني من القسطل إلى قرية صوبا ومنها إلى مثواه الأخير في القدس.

  

    وفي حكاية قرية – إعداد المؤسسة العربية للدراسات والنشر, مركز يافا للتوثيق والخدمات الإعلامية, قرى فلسطينية مدمرة عام 48 في منطقة القدس ص 36 - يقول الكاتب:

    (اطلعت على سجل الأعمال التي قام بها "البالماخ" يوم أمس لفتح الطريق أمام قافلة المواد الغذائية, وأخذت منه هذه المقتطفات:

    الساعة 2.38 جميع تحصينات وجسور العدو مستهدفة في أيدينا.

    الساعة 4.0 وصلت القافلة على "كيريات عنافيم" وقاوم 150 مسلحاً عربياً في دير محيسن, وانضم إليهم أشخاص من أبو شوشه, واستمرت المعركة ساعتين, احتللنا بعدها هذه القرية.

    الساعة 6.0 أقام العرب خمسة سدود على الطريق قرب "قالوينا", وحفروا ثلاث خنادق على عرض الطريق.

    الساعة 7.15 اضطررنا تحت ضغط العدو إلى الانسحاب من مقالع الحجارة في صوبا, وتدور معركة شديدة عند القسطل.

    الساعة 8.50 اصطدمت القافلة بالسدود المقامة على الطريق, واشتبكت آلياتنا المصفحة مع كمين للعدو.

    الساعة9.30 اخترقت المجموعة المتقدمة السدود وأقامت الجسور على الخنادق.

    الساعة 10.10 وصلت القافلة إلى القدس, لم تحدث إصابات.

    الساعة 14.0 العرب يهاجمون بتعزيزات كبيرة, وانسحبت قواتنا من جميع التحصينات المحيطة بالقسطل, ولكنها ظلت محتفظة بهذه القرية, وقامت قوات عربية كبيرة تساندها خمس عربات مصفحة بمهاجمة قواتنا التي تحتل دير محيسن, وثبتنا في مواقعنا ثم قمنا بهجوم معاكس, وانسحب العرب. 

    الساعة 14.50 وجه الضباط البريطانيون إلينا أمراً بمغادرة دير محيسن, وابلغنا البريطانيين بالتزامنا بأمرهم لتجنب الاصطدام معهم, ولكن إذا عاد العرب فسوف نهاجم من جديد.

    وفي اليوم السابع من نيسان إبريل 1948م صد أهل صوبا اليهود في موقع مقالع الحجارة "الفبركه واليشار" حيث اضطر اليهود للانسحاب من الموقع, والتحق ثوار صوبا بالمدافعين عن القسطل.

    في فجر يوم 8/4/1948م شدد العرب هجومهم على القسطل, وأستدعي المئات من المقاتلين إلى المكان بقيادة عبد القادر الحسيني قائد المنطقة, واستمرت المعركة طوال تلك الليلة وخلال ساعات الصباح, وفي الساعة الرابعة صباحاً نجح العرب في احتلال عدة بيوت في طرف القرية الجنوبي الغربي, لكن عبد القادر الحسيني قتل, وسرت شائعة بين العرب في المناطق المجاورة بأن عبد القادر الحسيني قد أسر, فقام أكثر من 1200 عربي بحماسة شديدة بهجوم شامل على القسطل, وكان هدفهم إخراج عبد القادر الحسيني من المكان ميتاً أو حياً, ووصل الهجوم إلى ذروته في ساعات الظهر, وانسحب المدافعون اليهود من القسطل بعد خسائر كبيرة, وسقطت القسطل بيد العرب, لكن هيئة أركان "نحشون" أصدرت أمراً باستعادة القسطل في الليلة نفسها والاحتفاظ بها بأي ثمن, وفي الليلة السابقة ليوم 9/4/1948م انطلقت وحدة "بالماخ" لتنفيذ المهمة, ودهشت عندما وجدت القسطل خالية من الرجال, لقد أستدعي المقاتلون العرب للمشاركة في جنازة قائدهم القتيل, وعادت القسطل ثانية وإلى الأبد إلي أيدي اليهود)"2"

    وفي ليلة 9/4/1948م هجم اليهود على دير ياسين وذبحوا من فيها، ويقدر عددهم بـ300 شخص.

    ويقول أحد معاصري الأحداث أن الكثير من المهاجمين العرب للقسطل, ذهبوا مع جثمان القائد ليشتركوا في توديعه, ولم يبق بها إلا قرابة أربعين مقاتلاً, يقودهم بهجت أبو غريبة ومحمد عادل النجار, وبقي عبد الحليم الشلف في صوبا بجوار القسطل, وحين اشتد الهجوم اليهودي في الساعات الأولى من اليوم التاسع من أبريل نيسان, استنجد المقاتلون بإخوانهم, فتحركت جماعة قوامها خمسة وسبعون مقاتلا بعضهم من جيش الإنقاذ, خليط من السوريين والعراقيين, وقضوا ليلتهم في عين كارم, ولم يصلوا القسطل, وفي صباح التاسع من إبريل نيسان 1948م سقطت القسطل بيد اليهود, ودمروا كل ما فيها, بيوتها حصونها ومسجدها. "3"

    وقد حارب العرب بمهارة وجرأة بالغتين تحت قيادة عبد القادر الحسيني الذي كان بارعاً في تكتيك حرب العصابات، ولم يتمكن "البالماخ" من المحافظة على المواقع التي احتلوها إلا بعد وفاته. "4"

    لقد أدى سقوط القسطل إلى قطع طريق تل أبيب – القدس مرة أخرى, وهذا ما سمح للقوات اليهودية بالتقدم نحو الشمال حيث لم يجدوا إلا القليل من المقاومة, وفي 11 نيسان استولوا على قالونيا, على أثر هجوم ليلي, وسقطت بعدها لفتا في أيدي الهاجانا, وفي تلك الليلة تم احتلال بيت محسير والأراضي المرتفعة المحيطة بها وتلتها باب الواد.

    وشُنّ هجوم على ساريس في 16 نيسان أدى إلى تهديم هذه القرية, ولكن الهجمات المتكررة على صوبا باءت بالفشل.

    وعلى أثر مقتل الحسيني راح تنظيم جيش الإنقاذ العربي بجوار القدس يبدو أنه في تدهور مستمر, وبغياب القيادة القوية راح المقاتلون العرب يعودون تدريجياً إلى قراهم, وتلاشت المقاومة العربية.

    وقد خرج بعض أهالي صوبا من القرية بعد أن احتل اليهود القسطل, وفي الليالي التالية دب الفزع بينهم, خاصة عندما توالت أخبار المذابح عن أهالي القرى الفلسطينية التي احتلها اليهود, ومذبحة دير ياسين كانت القشة التي قصمت ظهر المقاومة, حيث ترك الأهالي بيوتهم, واخذوا ينامون في المغر "الكهوف" وفي الكروم ريثما يستعيد الثوار القسطل.

    وفي السابع عشر من شهر إبريل نيسان بدأ العرب هجومهم المعاكس الذي استهدف باب الواد لاستعادة الأرض التي خسروها, لكن الرجال لم يتمكنوا من استعادتها , فرحل عدد من أهالي صوبا إلى عين رافا طلباً للحماية, وخوفاً من تدمير القرية واحتلالها من قبل اليهود, حيث أصبحت هدفاً لهم بعد القسطل بعد أن كثفوا هجماتهم عليها, رحل بعض الأهالي إلى العيزرية وأبوديس, ولكن البقية عادوا إلى القرية للدفاع عنها, وتحصنوا بداخلها, (ومع هذه القلة من المناضلين فقد صمدت قرية صوبا ثلاثة أشهر في مقاومة العدو وصد هجماته المتكررة)."5"

    وقد شكل المناضلون من أهل صوبا خلال هذه الفترة مع أهالي خربة اللوز وعين كارم وصطاف فصائل مقاومة مسلحة, ولم تسقط صوبا إلا بعد أن دمرت تدميراً كاملاً.

سقـــوط صوبـــا

   بعد سقوط القسطل في يد اليهود في التاسع من نيسان عام 1948م، أصبحت قرية صوبا هدفهم التالي للسيطرة عليها وتأمين طريق القدس – تل أبيب، وبدلاً من تحصين قرية صوبا فقد انسحب الثوار ولم يبق فيها إلا عدد قليل بقيادة عبد الحليم الشلف.

    وقد أرسل عبد الله التل قبيل الهجوم على صوبا مفرزة مؤلفة من أربعين مناضلاً بقيادة الملازم العراقي عبد الأمير ناجي لمساعدة أبناء القرية والمناضلين العرب المعينين من قبل المجاهد أحمد حلمي باشا."6" 

    بدأ الهجوم على قرية صوبا من قرية أبو غوش, وتساقطت قذائف المدفعية على البيوت من قبانية الخمسة, ثم تقدم المشاة نحو القرية, ولصعوبة الوصول إلى القرية من الجهة الشمالية لارتفاعها، وصمود المناضلين، صمدت القرية وصدت الهجوم أربع مرات متتالية.

    وفي الهجوم الثالث استشهد محمد عبد القادر عبد الله شرقي صوبا.

    وفي الثاني عشر من تموز وطيلة ليلة الثالث عشر منه راحت القوات اليهودية تقصف القرية بالمدفعية الثقيلة بعيدة المدى، وبمدافع المورتر من مستعمرة كريات عنافيم والقسطل، مما دفع بالمناضلين بالانسحاب من القرية، لعدم قدرتهم الرد بسلاح يقاوم مدفعية العدو.

    وتحت شدة القصف اضطر ما تبقّى من الأهالي للرحيل عن القرية واحتموا في المغر والكهوف في الجهة الجنوبية للقرية، بينما اتجه بعضهم الآخر إلى قرية صطاف أو عين رافا.

    وفي 13/7/1948م سقطت قرية صوبا في يد اليهود، وسقطت بعدها عشرات القرى.   

    عمليـة دانــــي:             

    الجزء الأول من العملية في القطاع الشرقي:

    وضع دور مهم في إطار هذه المرحلة للواء "هارئيل" الذي نشط في هذه المرحلة منفرداً في القطاع الشرقي لعملية "داني".

    وكانت عملياته حتى الآن ما يلي: هجوم "قامت به الكتيبة 6" على صوبا "تسوفا" في ليل 12-13 تموز يوليو لإزالة الخطر الذي كان يهدد القدس من ناحية الجنوب, وتوسيع الممر في اتجاه الجنوب.

    كانت صوبا واقعة على رأس مرتفع ذي جوانب حادة الانحدار, وقد فشل هجومان شنا عليها في منتصف نيسان – ابريل في أطار عملية "هارئيل", وفي هذه المرة هاجمتها سريتان بمساندة المدفعية ومدافع الهاون واحتلتاها.

    وفي اليوم نفسه احتلت الكتيبة الرابعة التابعة للواء هارئيل أيضاً "صرعه" تمهيداً للسيطرة على المناطق الواقعة في ضواحي هارطوف, لكن هارطوف نفسها كانت بيد قوات غير نظامية خاضعة للمصريين. "7"

    كانت عملية داني أكبر عملية بادر جيش الدفاع الإسرائيلي إلى القيام بها حتى ذلك الوقت, وكانت الإنجازات الفعلية للعلمية فتح طريق بديل إلى القدس (إشوع – كسلة- صوبا) وتم الاستيلاء على جزء من خط سكة الحديد إلى القدس. "8"

    وفي الليلة 13/7/1948م عادت المدفعية, وبدأت تدك قرية صوبا من المساء حتى منتصف الليل, وتقدمت المشاة من جهة القسطل ومن جهة أبو غوش – الشرق والشمال, ودخلوا صوبا عن طريق سري شمال القرية, ولم يكن في صوبا أحد من أهلها, حيث غادرها الجميع, وبقي اليهود بداخلها ينهبون ويدمرون بيوتها, وتسويتها بالأرض, ولم يبق منها غير أثر, كما دمروا قرى قالونيا والقسطل وبيت سوريك.

     شهادات معاصري الأحداث:

    في مذكراته، يقول عبد الله التل:

    (بأن قرى صوبا – عين كارم – المالحة تشكل خطاً قوياً يهدد الممر الذي كان يعمل اليهود على تأمينه ما بين تل أبيب والقدس، وسقطت قرية صوبا في 13/7/1948م، ولم يكن يدافع عنها سوى مفرزة واحدة من المناضلين التابعين للحاكم العسكري في القدس المجاهد أحمد حلمي باشا والذي كان يقودهم الملازم العراقي المناضل عبد الأمير ناجي، وبعد سقوط صوبا استولى اليهود على عين كارم والمالحة). "9"

    ويقول ذيب نافع عوض الله الفقيه** عام 1981م (1900-1982م) وهو يتذكر صوبا والرحيل عنها, وتتراءى له بقايا صور في ذاكرته:

  (قاومت صوبا عدة أشهر, ولم يستطع اليهود احتلالها, رغم أنهم كانوا يطلقون النار بانتظام وبكل أنواع الأسلحة وبتكتيك, والعرب يردون بلا نظام بأسلحتهم الخفيفة التي كانت بحوزتهم, لكن عندما اشتد القصف, وغادر معظم سكان القرية صوبا استطاع اليهود احتلالها ودخولها ليلة 13/7/1948م.

    نهب اليهود كل ما طالته أيديهم في القرية, وسرقوا أمتعة الناس وقطعاناً كاملة من المواشي.

    وفي الأيام اللاحقة عاد بعض الرجال مخاطرين بحياتهم لأخذ حاجاتهم الضرورية من منازلهم, فوجدوا القرية مهدمة عن بكرة أبيها, ولم يبق فيها يهودي واحد, بعد أن زرعوا فيها الألغام, لكن الخوف من المذابح الفظيعة التي حدثت في القرى المجاورة التي احتلها اليهود دفع من بقي من أهل القرية للرحيل عنها..

    كان الرحيل يشبه يوم القيامه, وكانت نقطة التجمع لأهالي صوبا في قرية راس أبو عمار، وبقينا هناك حوالي عشرين يوماً, بعد أن أقمنا في خربة اللوز ثلاثة أيام، ولم يكن في القرية غيرنا، كان أهالي القرى المحيطة بصوبا قد غادروا قراهم قبلنا، ثم اتجهنا إلى حوسان, ومكثنا هناك حوالي الشهرين، ومنها إلى العيزريه حيث سبقنا بعض الأقارب إليها.

    بعد ذلك توجهنا إلى أريحا وأقمنا في عقبة جبر حوالي العشرين يوماً، ومنها ذهبنا إلى السلط في شرق الأردن, حيث أقمنا فترة قصيرة، وقد بقي بعض أهالي صوبا في السلط, بينما رحلنا نحن وبعض الأقارب إلى القويسمه شرق عمان, وأقمنا هناك ستة أشهر، ولم يكن لنا مأوى إلا الكهوف.. وفي الشتاء داهمنا البرد القارس, وأغلق الثلج علينا أبواب الكهوف, مما دفعنا للرحيل إلى الكرامة.. وفي صيف عام 1949م انتقلنا إلى السخنة بسبب حرارة الجو في الأغوار، وأقمنا هناك عدة أشهر, لكن سيول الشتاء جرفت المخيم الذي كنا نقيم فيه, مما دعانا للعودة إلى الكرامة ثانية.. وفي الكرامة أقمنا حتى صيف عام 1954م, انتقلنا بعدها إلى عمان, وأقمنا في طريق ناعور، ثم رحل بعض الأقارب إلى مخيم الوحدات، وتفرق شملنا في البلاد العربية. 

   كأهل سبأ بعد انهيار سد مأرب, تفرق الأهل والأحباب في بقاع الأرض, وما كان أحد يتصور أن الرحيل عن صوبا سيطول ويمتد إلى عشرات السنين, لكنه طال رغم الأمل الذي زرعه الآباء في الأحفاد.

   ويصمت الحاج ذيب نافع ويمسح دمعة, ثم يرفع رأسه ويديه إلى السماء, ويبتهل إلى الله ويدعوه بأن لا يميته إلا على تراب فلسطين, وأن لا يدفن إلا في أرضها بعد أن يصلي في المسجد الأقصى.  

   وتشاركه زوجته في الدعاء ثم تقول:

  (انخلع الباب وتفرق الأحباب, يا ولداه, اصبح كل حي في دنيا, حتى الأخ لم يعد ير أخوه). "10"

  ومرت السنوات, قضي الحاج ذيب نافع وزوجته, كما استشهد ابنهما "علي" عام 1972م في الجنوب اللبناني مع مجموعات فلسطينية في محاولات عديدة لاسترجاع حقهم, وقضي الآلاف أمثالهم بعيداً عن الوطن وعلى حدوده دون أن يكحلوا أعينهم برؤيته, وماتوا وهم يحلمون بلقائه.

   بسم الله الرحمن الرحيم (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلا) صدق الله العظيم.

                                          (سورة الأحزاب الآية 23)

*******

كوكبة من شهداء صوبــا **

   بسم الله الرحمن الرحيم {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً, بل أحياء عند ربهم يرزقون} صدق الله العظيم.  (سورة آل عمران الآية 169) 

   من شهداء صوبا الذين رووا ترابها بدمائهم, واستشهدوا على أرضها وفي سبيلها:

1-      الشهيد احمد محمد احمد إعميش. استشهد في وعر الملح بتاريخ 7/6/1948م .

2-      الشهيد يحيى محمد عبد القادر. استشهد في صوبا بتاريخ 10/7/1948م .

3-      الشهيد عمر على احمد صالح نصر الله . استشهد في وعر الملح بتاريخ 7/4/1948م.

4-      الشهيد احمد محمد عبد الجليل. استشهد في وعر الملح بتاريخ 7/6/1948م .

5-      الشهيد محمد عبد القادر عبد الله. استشهد في وعر الملح بتاريخ 17/7/1948م.

6-      الشهيد طه محمود طه عميش .

7-       الشهيد عبد الرحيم عوده عليان. استشهد في وعر الملح بتاريخ 25/6/1948م .

8-      الشهيد عبد الله سليم عبد الله. استشهد في وادي اللوزية بتاريخ 29/7/1948م .

9-      الشهيد حسن محمد مصلح. استشهد في وادي اللوزية بتاريخ 29/7/1948م .

10-  الشهيد ذيب علي صبّاح – أصيب بجروح أثر قذيفة عام 1948م في القسطل، وبقي طريح الفراش إلى أن توفي في عمان أوائل عام 1950م .

11-  الشهيد احمد محمد حمد .

12-  الشهيد محمد يونس عبد العزيز. استشهد في أريحا بتاريخ 6/1/1948.

13-  الشهيد ابراهيم اسماعيل عبد اللطيف .           

******

الرواية الإسرائيلية عن معارك صوبا عام 1948م **

1-   وحدات البلماخ: عبارة عن دوريات مهمتها الدفاع عن المستعمرات المجاورة للقدس، وكانت معسكرة في قسم المستعمرات (رامات راحيل، كريات عنافيم، بيت معرفا)، وقد دفعت هذه الدوريات قرى معينة إلى التفاوض مع المستعمرات اليهودية القريبة منها من أجل عقد سلام، لكن هذه الاتفاقيات انهارت بعد امتداد سيطرة القوميين العرب على المنطقة بعد مجيء عبد القادر الحسيني.

2-   عملية "داني" التي سبق الحديث عنها، وهي أكبر عملية بادر الجيش الإسرائيلي إلى القيام بها حتى ذلك الوقت، وقد وضع دور مهم في إطار هذه المرحلة للواء "هارئيل" الذي نشط منفرداً في القطاع الشرقي لعملية داني، وقد قام بهجوم على صوبا في ليلة 12-13/7/1948م لإزالة الخطر الذي كان يهدد طريق القدس - تل أبيب من الناحية الجنوبية وتوسيع الممر في اتجاه الجنوب، وقد نجح في احتلال اللد والرملة وفتح طريق بديل إلى القدس(إشوع – كسلة – صوبا).

 

    وفي كتاب "أصدقاء يحكون عن جيمي" هناك وصف للقاء بين شاب من أرض إسرائيل وأفراد من "غاحل" في كتيبة تابعة للواء "هارئيل":

    "... قرأ جيمي في سجل الجنود أسماء الجدد, أسماء غريبة عجيبة تصلح لتكسير الأسنان, احترموهم واحترسوا منهم, كان يقول لقادة الجماعات, اظهروا تجاههم ثقة, ومع ذلك راقبوا جيداً, اظهروا بمظهر القادة, لكن تصرفوا معهم جيداً وبصورة رفاقية".

    وكان أفراد "غاحل" يتهامسون بصدد جيمي إزاء الخارج كما لو أنه ليس قائداً على الإطلاق, يربت على ظهورنا, ويتجول بيننا ويحيا حياتنا, لكنه عملياً أكثر من ضابط في الجيش الأحمر, أو في الجيش البولندي.

    وبعد فتح طريق بورما بدأ أفراد "غاحل" بالتسلل إلينا, وظهرت أسماء غريشا وياشكا وميشكا وما شابه ذلك, وكان بينهم من خدم سابقاً في الجيش الأحمر, وعلى أية حال عاشوا فترة ما في روسيا, وكان بينهم من شاركنا في احتلال تسوفا  "صوبا".

     ووقتها بذل قائد المعركة زيزي من مواليد "غفعات هشلوشاه" ويجهل الأيدش, جهداً فائقاً, أشار إلى تسوفا "صوبا" وقال للمجندين في الخارج "داس تسوفا, منعمط" (هذه سوفا – صوبا – سنحتلها) وقبل أن يندفعوا صرخوا "زارودينو- زاستانيا – زا بن غوريونا" وأعقب ذلك شتائم روسية دسمة موجهة ضد العدو.

    وكانوا "يدبروننا" نحن مواليد البلد, بالأيدش, وطبعاً لم يسلم القائد الذي لم يكن يعرف هذه اللغة من هزل الزمرة ولسعاتها.

    وفي إحدى الليالي, خرج عدد من المتطوعين في الخارج ومعهم أكياس صغيرة إلى البساتين المجاورة, وملأوها بالخوخ والمشمش الخ.. ثم انطلقوا بأحمالهم الثمينة هذه إلى القدس, فباعوها هناك, وكان معظمهم يتمتع بحس عملي متطور, لقد كانوا مهتمين بغدهم, ولا عجب في أن كثير منهم بعد المصائب والتشرد في أوروبا, كانوا يتطلعون عند قدومهم إلى البلد إلى ركن يريحون فيه رؤوسهم بعد الحرب. "11"   

   وأخيراً لا جدال بأن قرية صوبا سقطت ليلة 12-13/ 7 / تموز 1948م، وقد تضاربت الأقوال حول أسباب وكيفية سقوطها: **

·         حسب المصادر الصحفية اليهودية: تم احتلال القرية دون قتال (بواسطة مجموعات البلماخ) وذلك بسبب القصف العنيف للقرية بالقنابل.

·      وحسب المؤرخ العسكري استخدم اليهود كتيبتين مدعومتين بالمدفعية الثقيلة ومدافع المورتر في احتلال قرية صوبا، لأن موقع القرية استراتيجي ومرتفع، واحتلالها يزيل الخطر عن طريق القدس.

·     وحسب أقوال المتحدث العسكري الإسرائيلي لصحيفة (نيويورك تايمز)، فإن القرية تم احتلالها بدون إراقة دماء، ثم أضاف وباحتلال قرية صوبا وضعت نهاية لحلم العرب بقطع طريق تل أبيب – القدس. "12" 

*******

      أقوال الصحافة عن معارك صوبا عام 1948م ***

    جريدة الدفاع الصادرة في صباح 19 نيسان 1948م في يافا – عدد 3938 .

    قالت وعلى صفحتها الأولى وبالخط العريض تحت عنوان :

    "هجمات باشتراك طائرة و17 مصفحة على صوبا"

    "تقاطر النجدات واحتدام القتال وإتلاف 4 مصفحات يهودية وإصابات"

    القدس – لمراسل الدفاع:

    هاجمت جماعة من الإرهابيين اليهود قرية صوبا الواقعة قرب القسطل فتصدى لهم الحرس الوطني وأمضى في مقاومتهم مدة طويلة، تمكّن خلالها من دحر الغادرين إلى خارج أراضي القرية، وراح اليهود يطلبون النجدة فجاءت في الحال طائرة يهودية وألقت قنابلها على العرب، فأصيب من شظاياها الأطفال: محمود سليمان عبد الله وعمره 12سنة، محمود عبد الله محمد وعمره 12 سنة، سليم عبد الله محمد وعمره 9سنوات ونصف، ويحيى محمد عبد القادر وعمره 9سنوات، وقد نقلوا جميعاً إلى مستشفى الرملة، واستمرت المعركة شديدة إلى أن اضطر اليهود إلى الإنسحاب.

     "هجوم بالمصفحات"

    في صباح يوم أمس وصلت إلى قرية صوبا ثلاث مصفحات كبيرة تقل عدداً كبيراً من اليهود، وأطلق ركابها النار من الأسلحة المختلفة على سكان القرية، فأجاب أهلها بالمثل، واستمر تبادل النار مدة ساعة كاملة، ثم عادوا مرة ثالثة إلى القرية العربية (صوبا) وقد وجهوا عليهم قذائف الهاون وعددها 26 قذيفة، ثم تقاطرت النجدات اليهودية من مستعمرة عنافيم وموتزا والخمسة، ومعهم 17 مصفحة كبيرة، وطوقوا القرية من جهة القسطل والطريق المؤدية إلى معهد دير عمرو، فأدرك حراس القرية هذه الحركة فأرسلوا في طلب النجدات العربية.

    فهب إلى نجدتهم عدد كبير بقيادة رشيد ذيب، وباشر العرب فور وصولهم في إقامة السدود على الطريق العام لإقفالها في وجه المصفحات اليهودية ولعرقلة سيرها.

   واستمر القتال بين الطرفين خمس ساعات متوالية، استعمل فيه جميع أنواع الأسلحة المختلفة، وأصيب أربعة مصفحات بأضرار، كما أصيب ركابها بجراح مختلفة، وفي النهاية غادر اليهود قرية صوبا.. وقد بلغت القنابل اليهودية التي ألقيت على القرية العربية (صوبا) منذ 19 آذار حتى أمس 83 قنبلة كبيرة.

     جريدة فلسطين

    أما حسب جريدة فلسطين فإن قرية صوبا قد هوجمت في الثالث من نيسان 1948م بعد هجوم اليهود على القسطل ثلاث مرات من قبل القوات الإسرائيلية، ولكنها صُدّت من قبل صمود الأهالي ورجال المقاومة العربية .

    وعلى الرغم من المساعدة التي حصل عليها اليهود والدعم الجوي، إلا أنهم فشلوا في هجوماتهم، ورُدّت قوات الهاغانا على أعقابها، وصمدت قرية صوبا في وجه اليهود ثلاثة أشهر بعد سقوط القسطل، وحصل هجومان لاحتلال القرية لكنها فشلت وذلك خلال معارك اللطرون.

*******

صوبا بعد الرحيل

 

    دُمّرت الحلقة الخارجية من بيوت القرية جزئياً من قبل القوات الاسرائيلية الذين نصبوا على البقايا نظام دفاعي ومواقع إدارية, محوّلين صوبا بذلك إلى موقع عسكري استراتيجي لمدة أخرى للدفاع عن طريق القدس الحيوي إلى البحر.

    لقد دمر اليهود هذه القرية العريقة وشتتوا سكانها, وأقاموا في موقعها عام 1949م قلعتهم "تسوفا" Tsova وهي كيبوتز أسسه محاربون في الجيش الإسرائيلي على أراضي قرية صوبا العربية عام 1948م(مستعمرة أميليم)، سكانه يهود على طريق القدس "استاؤل" بالقرب من مستعمرة "ماعوز تسيون" وقرب آثار قرية القسطل العربية المدمرة. "13"

    وقد استغل مستوطنو الكيبوتس أراضي صوبا في زراعة أشجار الفواكه ومن أهمها التفاح والكيوي وغيرها من الأشجار المثمرة.

    وفي أراضي مراح بدير أقاموا مصنعاً للزجاج طوّر صناعته أخيراً حتى أصبح يصنع زجاجاً مضاداً للرصاص. "14"

    وبعد عام 1948م وتهجير أهالي صوبا عن قريتهم أعطى اليهود بعض أراضي صوبا في رأس عين رافا ووادي القسطل لأهالي بيت نقوبا للسكن واستغلال بعض أراضي صوبا بعد أن رحّلتهم قسراً عن قريتهم بيت نقوبا القريبة من شارع القدس – يافا، في الجهة الشرقية من قرية أبو غوش، وقد أطلق اليهود على هذا المكان اسم "عين نقوبا" ليمحى اسم بيت نقوبا من ذاكرة الأجيال القادمة.

   أما مركز المعلومات الوطني الفلسطيني فقد أفاد في صفحته الأولى عن قرية صوبا بأن "المنظمات الصهيونية المسلحة قامت بهدم القرية وتشريد أهلها البالغ عددهم عام 1948م حوالي (719) نسمة، وكان ذلك في 13/7/1948م، وعلى أنقاضها أقام اليهود مستعمرة (توصوفا) عام 1949م، أما في عام 1948م فقد أنشئت على أراضي القرية مستعمرة "أميليم"، ثم سميت لاحقاً كيبوتس "تسوفاه"، وفي عام 1964م أنشئت مدرسة تدعى "يديدا".. وما زالت بقايا القلعة الصليبية ظاهرة إلى اليوم مع بقايا البيوت.. ويبلغ مجموع اللاجئين من هذه القرية في عام 1998م حوالي (4417) نسمة".

    وفي قرية صوبا ما زالت بقايا القلعة الصليبية ظاهرة في موقع القرية، ويكسوها نبات الصبار على المصاطب التي في أسفل الجبل بين أشجار التين واللوز والسرو، ولا تزال شبكات الخنادق التي حفرها الجيش الإسرائيلي في الجهة الشمالية الشرقية من قمة الجبل، والتي حُفرت مقابل الجيش العربي الأردني الذي كان مرابطاً في منطقة الرادار شمال شارع القدس– يافا، لا تزاال بادية للعيان."15"    

   أما قرية عين رافا المقامة على أراضي صوبا قرب عين الماء، فقد زاد عدد سكانها من 65 شخصاً قبل 1948م إلى أكثر من 700 نسمة وكلهم من المسلمين، وأصبح فيها مدرسة ابتدائية، كما انتشرت بيوتها بين البساتين والأشجار المثمرة، ولا زالت عائلاتهم تتطلع بشوق ولهفة إلى بيوتهم وبيوت أقاربهم من أهالي صوبا المدمرة التي تتربع فوق جبل صوبا، والتي أصبحت معلماً أثرياً وسياحياً في منطقة جبال بيت المقدس الغربية. "16"

     

    صوبا اليوم مليئة بأشجار الصبار بعد أن أقتلعت من أرضها أشجار الزيتون والرمان, واندثرت معالمها, لكن حجارتها تدل على أن قرية كانت هناك, وهي بانتظار الفجر لتعود "تنفض الغبار عنها وتصحو إلى الوجود ثانية".

    كان أهلها مزارعين يعيشون بسلام مع اليهود, ويتعايشون معهم, لكن هجوم اليهود على القرى واحتلالهم للمدن وطمعهم بالأرض الفلسطينية جعل منهم أعداء.

    صوبا قرية عربية فلسطينية القلب والعينين.

    وما زال أهلها يتطلعون كباقي شعب فلسطين إلى العيش بكرامة مثل شعوب الدنيا, لهم وطن ولهم كيان.

    صوبا واحدة من أصل 475 قرية أزيلت قبل عام 1948م، كما أزيل 385 قرية من الخريطة الفلسطينية.

    قبور الأجداد فيها تنادي, تبتهل, تدعو الأبناء لزيارتها وقراءة الفاتحة, والحنين ما زال يُبحر في أعماق الأبناء, يتطلعون بشوق, يرحلون بأبصارهم كل يوم, يتمنون العودة والصلاة على التراب المقدس.

    ومن دموع الحزن نبتت وارتوت أشجار الصبار.

    صوبا.. قرية كانت شاهدة على تاريخ شعب، كما كانت شاهدة على حضارة عظماء الشهداء في بطنها, تتململ وتكاد تنهض من قبورها لتشهد تاريخ صوبا.

    في آثارها كان أناس طيبون، يأملون بالخير ويحبون الحياة.. صوبا كانت عامرة بالناس الطيبين، يحبون الزيت والزيتون والزعتر وعصير الليمون، يشربون القهوة السادة، وعصير البرتقال.. كانوا يحبون المساجد والأرض، لكنهم أقتلعوا من أرضهم.. فمتى يعودون؟!.    

*********

     المراجع

       **    رمان، محمد سعيد - صوبا - قرية مقدسية في الذاكرة ص263

       ***  المصدر السابق ص 261-262

1-      يوميات الحركة الوطنية الفلسطينية – ص 235 .

2-      حكاية قرية – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – قرى فلسطين المدمرة – ص 38 .

3-      حرب فلسطين 47-48 الرواية الاسرائيلية الرسمية – مؤسسة الدراسات الفلسطينية – ترجمه عن العبرية أحمد خليفة – ص 460 و 461 .

4-      صالح مسعود أبو يصير – جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن – ص 350 .

5-      حكاية قرية – مصدر سابق – ص 44 .

     عارف العارف – الفردوس المفقود ص 156- 163

     مقابلات مع كبار السن .

     جريدة فلسطين 3 نيسان 1948م .

    أحمد العلمي – حرب عام 1948م – ص 117 .

6-      عبد الله التل – كارثة فلسطين – 239 .

7-      حرب فلسطين 47 – 48 الرواية الإسرائيلية الرسمية – ص 589 .

8-      حرب فلسطين 47 – 48 مصدر سابق -  ص 593 .

9-      عبد الله التل – كارثة فلسطين – ص 284 .

10-  مقابلات مع كبار السن – ذيب نافع وزوجته صبحه علي حمد ، ممن عاصروا الأحداث وعاشوها لحظة بلحظة

11-  حرب فلسطين 47 –48 – الرواية الإسرائيلية الرسمية ص- 624 – 625.

12-  وليد الخالدي – لكي لا ننسى -  ص 632 .

13-  حكاية قرية – المؤسسة  العربية للدراسات والنشر – ص 150 .

14-  مصطفى مراد الداغ – بلادنا فلسطين – ص 135 .

15-  الخالدي – لكي لا ننسى قرى فلسطين  التي دمرتها إسرائيل سنة 1948– ص630- 632

16-  مقابلات شخصية .

** أحد معاصري الأحداث وشاهد عصر.

 

**********

 

 

 

العودة لقائمة أبواب كتاب صوبا
  حقوق الطبع ©2017 صوبـــا. جميع الحقوق محفوظه
زوار الموقع : 332052
  تصميم و تطوير