الباب الثاني: الثورات والمقاومة في جبل القدس حتى عام 1948م

 

     كتاب صوبا - تاريخ وطن وحياة قرية ( ابراهيم عوض الله الفقيه)

 

البـــاب الثــاني

 

   فلســـــــطين

   نبــذة تاريـــخية

   القــــــــدس

   قرى بيت المقــدس

   الثورات والمقاومة في منطقة القدس حتى عام1948م

   الحرب العربية الإسرائيلية عامي 47 و1948م

=======================================

 

فلســـطين

 

    نبذة تاريخيـة - تمهيـــد :

 

   احتلت فلسطين على مر العصور مكاناً خاصاً في قلوب المؤمنين.. ومع أن القدس تعتبر مركزاً هاماً عند المسلمين، فهي كذلك عند المسيحيين واليهود على السواء.

    وفلسطين شملت جميع الأماكن المقدسة عند الديانات الثلاث، خصوصاً القدس وبيت لحم والخليل وصفد وطبريا والناصرة، وهذا ما جعلها هدفاً لكل الغزاة والطامعين على مر العصور.

    وكان أول من شجّع اليهود على الاستقرار في فلسطين نابليون بونابرت عندما غزا فلسطين وبلاد الشام بعد غزوه لمصر عام 1798م.

    وتشير التقارير بأن فلسطين كان يسكنها عام 1850م زهاء (350 ) ألف نسمة، وكان حوالي ثلثي السكان يعيشون في (657) قرية، وحوالي الثلث في (13) مدينة أو بلدة.. كما كان 85% من السكان من المسلمين، بينما شكّل المسيحيون 11% فقط من عدد السكان، وتركزوا في مدن القدس وبيت لحم ويافا واللد والرملة وحيفا وعكا والناصرة.. وكذلك قرى المنطقة الجبلية المحيطة بالقدس، وفي الجليل الأدنى والأعلى.. وكان أقل من 4% من سكان البلاد من اليهود الذين عاشوا جلهم تقريباً في القدس والخليل وصفد وطبريا.

    وقد اتسمت تلك السنوات بالنزاعات الداخلية والمواجهات العسكرية بين الزعماء  المحليين والسلطات العثمانية.. وفي سنتي 1865 و 1866م أُصيبت فلسطين بخسائر فادحة في السكان من جراء وباء الكوليرا.

    وفيما بين السبعينات والثمانينات نما عدد سكان فلسطين بنسبة الثلث.. فبلغ حوالي (470) ألف نسمة.. وأصبح السكان اليهود يشكّلون 5% من مجموع السكان. "1" 

    وقد سعى اليهود منذ القرن الماضي إلى تهويد مدينة القدس، وتركزت هجراتهم عليها لاعتقادهم بأهميتها الدينية بالنسبة لهم.. فعقب المذابح الروسية لليهود عامي 1881 و 1882م هاجر عدد من اليهود إلى فلسطين، واستقروا بصفة خاصة في طبريا والقدس وصفد. "2"

    هذا بالإضافة إلى أن المطامع الأوروبية المتعددة الأشكال في الأرض المقدسة وزيادة الاتصالات بفلسطين والمعرفة بها، حفّز اليهود الأوروبيين ونمّى اهتمامهم بها أيضاً.

     فإلى جانب المشاريع الاستعمارية (المسيحية)، كان هناك مشروعات يهودية.. ومن ذلك مثلاً ما يدعى ب (جمعية استثمار فلسطين) الذي كان هدفها المباشر تأسيس "مستعمرة زراعية يهودية كبيرة في فلسطين".. أما هدفها النهائي فكان (إقامة دولة يهودية جديدة).

   وقد أدى ذلك إلى قيام أول محاولة يهودية كبيرة لتثبيت الأقدام في الأرض التي تم الحصول عليها حديثاً في فلسطين.. فقد أسس الاتحاد الإسرائيلي العام سنة 1870م مدرسة زراعية قرب يافا (مكفة اسرائيل)، كما أسس يهود القدس سنة 1878م أول مستعمرة زراعية  بتاج تكفا), تمّ التخلي عنها بالفعل فيما بعد سنة 1881م. "3"

   وقد حاول اليهود استصدار أمر من محمد علي باشا للسماح لهم بشراء وتملك الأراضي الزراعية والعقارات وإنشاء بعض الصناعات الخفيفة، لكن أعضاء مجلس القدس الشريف اعترضوا على هذا الطلب.. فأصدر محمد علي موافقته على ما جاء في قرار المجلس، ولم يسمح لليهود بعد ذلك بالبيع أو الشراء للعقارات والأراضي الزراعية. 

   وقد أصبحت القدس في عهد السلطان عبد العزيز مدينة مستقلة تتبع الباب العالي رأساً، ويبدو أن تعداد سكان القدس في عهد السلطان عبد الحميد كان حوالي عشرين ألفا معظمهم من المسلمين.. وفي عهد السلطان عبد الحميد الثاني ( 1876 – 1908م) صدر قانون (1882م) يحرم هجرة اليهود إلى فلسطين وشراءهم الأراضي الزراعية والعقارات.. ثم صدر تعديل لهذا القانون يسمح لليهود دخول فلسطين للحج وإقامة طقوسهم الدينية, على ألا يبقوا فيها أكثر من ثلاثة أشهر.. وكانت المنظمة الصهيونية العالمية تسعى بكل الوسائل للتغلب على موقف السلطان بكافة الوسائل وبكل المغريات، ولكنها لم تفلح.. والواضح أن نكبة فلسطين بما فيها القدس بدأت بوادرها بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، بوصول الكتيبة اليهودية مع الجيش البريطاني إلى فلسطين. "4"

 

القدس من الناحية الإدارية والسياسية عام1945– 1947م

  

    دام العهد البريطاني من 14/11/1917م إلى 14/5/1948م .

    وكانت فلسطين في أواخر العهد البريطاني تقسم إلى ست مناطق, يُعرف كل قسم منها باسم لواء أو مقاطعة. 

    ويقسم اللواء إلى أقسام أخرى, يعرف كل قسم منها باسم قضاء.. ويدعى رئيس اللواء حاكم اللواء, ورئيس القضاء يسمى قائم مقام.

    ويشتمل كل قضاء على عدة قرى ينوب في كل منها عن القائم مقام أحد أهاليها ويدعى المختار،  فالقرية أصغر وحدة إدارية، وكلمة لواء وقائم مقام وقضاء هي بقايا الاصطلاحات الإدارية التي كانت تستعمل في العهد العثماني.

 

  ألوية فلسطين :         

1-      لواء القدس: ويتألف من أقضيه القدس, الخليل, رام الله, بيت لحم وأريحا.

2-      لواء حيفا: ويضم قضاء حيفا.

3-      لواء الجليل: وقاعدته الناصرة ويتألف من اقضيه عكا, بيسان, صفد, طبريا والناصرة.

4-      لواء يافا: ويضم أقضية يافا, الرملة واللد.

5-      لواء نابلس: ويدعى لواء السامره ويتألف من أقضية نابلس وجنين وطول كرم.

6-      لواء غزة: ويضم قضائي غزه وبئر السبع. "5"

    والقدس من أهم المدن الفلسطينية، إنها ليست مركز اللواء الإداري الأول المعروف باسم "لواء القدس" فقط، بل هي عاصمة فلسطين كلها من أدناها إلى أقصاها.

    ولواء القدس يتألف من أربعة أقضية هي:

1-      قضاء القدس.

2-      فضاء بيت لحم – أريحا.

3-      قضاء خليل الرحمن.

4-      قضاء رام الله.

   وقضاء القدس يقع بين أقضية رام الله وبيت لحم وأريحا والخليل والرملة.

   وقد بلغت مساحته عام 1943م ش 9, (515) كيلو متر مربعاً، وبعد النكبة عام 1948م تقلصت مساحته إلى (335) كم2. "6"

    وفي عام 1945م كان قضاء القدس يتـألف من سبعين قرية هي:

    أبو ديس – عنانا – عقور – عرطوف – بتير – بيت دقو –  بيت حنينا – بيت إجزا –بيت إكسا – بيت عنان –  بيت عطاب –  بيت جمال – بيت محسير – بيت نقوبا – بيت صفافا – بيت سوريك –  بيت ثول – بيت أم الميس – بدو –  بير نبالا – البريج – دير آبان – دير عمرو – دير الهوا – دير رافات – ديرالشيج – دير ياسين -  عين كارم – العيزريه  - حزمة – العيسوية – إشوع – جبعة – الجيب – الجُديره – الجورة – كفرعقب – كسلا – خربة اسم الله – خربة اللوز – لفتا – المالحه – مخماس – النبي صموئيل – نطاف – خربة العمور – القبور – قلنديه – قلوينا – أبوغوش – القسطل – قطنه – القبيبه -  رافات – الرام – رأس أبو عمار – صرعة – ساريس – صطاف – شرفات – شعفاط – سلوان – صوبا – سفلى – صورباهر – أم طوبا – الطور – الولجه.

    وفي عام 1948م اغتصب اليهود جزءاً من هذا اللواء وعدداً كبيراً من قراه.  

    وفي عام 1967م أجهزوا على باقي اللواء ومدنه وقراه. "7"

 

  بريطانيا وإعادة اليهود    

    كان لبريطانيا الدور الأكثر أهمية في الهجرة اليهودية إلى فلسطين.. فقد ورد في نشرة خلال حرب القرم (هللي يا بريطانيا، فقد اختارك القدر لتعيدي اتباع جنس يهوذا المهمل, المشتت منذ أمد بعيد، إلى ديارهم الجميلة).

    لقد بدأت "الحملة الصليبية السلمية" تحت شعار (القدس لنا)، فأُقيمت المستعمرات في فلسطين، وتلاها المستوطنات.

     إن "شعب الله" كان لديهم حسب تصوراتهم حق لا يتزعزع بامتلاك "الأرض المقدسة" والطريق إلى تحقيق هذه الأهداف هو الهجرة إلى فلسطين.

    وبعد صعوبات طويلة المدى، أسس شعب الله السوابي "نسبة إلى سوابيا – شفابيا"  بين سنة 1868 و1873م أربع مستوطنات, أضيفت إليها بين سنتي 1902و 1907م ثلاث مستوطنات أخرى، على أن الجماهير التي كان يراد لها أن تغير شكل "الأرض المقدسة" لم تجيء، ولم يتجاوز عدد الهيكليين الذين استوطنوا فلسطين في حده الأعلى الألفي نسمة بحال من الأحوال."8"

    إن مذهب "إعادة اليهود" بدأ أعمق عند بريطانيا، وبدت فلسطين هي الوطن الحقيقي الذي أعطاه الله لليهود، والذي سيعود إليه عاجلاً أم أجلاً.. وعند بداية الحرب العالمية الأولى امتزجت الاعتبارات الحربية بالسياسية، وتمخضت  في 20 نوفمبر عام 1917م عن وعد بلفور."9"

    وهكذا ساير الانتداب البريطاني الصهيونية في تدعيمها للهجرة اليهودية إلى فلسطين، ففي عام 1845م  لم يكن في فلسطين سوى(12) ألف يهودي من أصل مجموع السكان البالغ عددهم(350) ألف نسمة.

    وفي عام 1880م بلغ عدد اليهود (25) ألف يهودي من أصل مجموع السكان البالغ عددهم (500) ألف نسمة. 

    وبعد صدور وعد بلفور بعامين لم يكن هناك سوى (65) ألف يهودي أي حوالي 7% من أصل مجموع سكان فلسطين، وارتفع العدد خلال اثني عشر عاماً من بدء الانتداب البريطاني (1920- 1932م) إلى (118) ألف يهودي. "10"

 

    الاحتلال البريطاني للديار المقدسة :

    في التاسع عشر من تشرين الثاني عام 1917م أخذ اللنبي يزحف نحو القدس، وجعل محور الهجوم شمالي القدس، وضرورة الوصول إلى قرية العنب – بيت لقيا – بيت عور التحتا– ومن ثم قطع طريق القدس نابلس.. فاخذ يتقدم من اللطرون، مما اضطر العثمانيون إلى إخلاء عمواس، واخذوا يدخلون في مضيق باب الواد. 

    وقد تمكن البريطانيون من الاستيلاء على "ساريس"، ثم على قرية العنب، كما دخلوا القسطل.. ثم زحفوا على جبل النبي صموئيل الذي يسيطر على كل المنطقة، واستولوا عليه، وقد حاول العثمانيون استرجاعه، لكنهم فشلوا.. وبذلك بدأ البريطانيون الاستعداد للدخول إلى القدس.

وفي يومي 23 – 24 / 11 قام البريطانيون بهجوم فاشل على قرية الجيب.

وفي مساء 24 / 11 أصدر اللنبي أوامره بإيقاف الهجوم على القدس والوقوف عند خط صوبا– القسطل - قرية العنب – بيت سوريك – النبي صموئيل، وهكذا فشلت خطة الهجوم على القدس من الشمال.

   وضع اللنبي خطة جديدة للاستيلاء على القدس من الغرب والجنوب.. وكان محور هذه الخطة التقدم على طريق قرية العنب – القدس من الغرب، وأن تتقدم القوة المعروفة باسم "مفرزة الموت" نحو القدس عن طريق بيت لحم – القدس.

   وفي 9 كانون الأول 1917م كان آ خر جندي عثماني قد انسحب من المدينة المقدسة, وسُلّمت إلى قائد الفرقة العاشرة البريطانية. 

   وفي 11/ 12 / 1917م دخل الجنرال اللنبي القدس، ترافقه مفارز فرنسية وإيطالية من القطعات الملتحقة به.

    وقد حاول الأتراك استعادة القدس، فشنوا هجوماً ليلة 26- 27 /12/1917م على البريطانيين، لكنهم فشلوا، وطاردت القوات البريطانية فلولهم، واستولت على أراضي جديدة شمال القدس.

    وفي أيلول 1918م شرع الجنرال اللنبي بهجوم كبير, انتهى بالإستيلاء على جميع فلسطين, ومن بعدها سوريا.

    وفي 31 تشرين الأول من عام 1918م عقدت الهدنة بين العثمانيين والحلفاء. "11"

 

   بداية الحكم البريطاني والهجرة اليهودية :

    في أيار من عام 1918م طلب "وايزمان" من السلطة العسكرية التوسط لشراء الممر المؤدي للمبكى، ودفع (80) ثمانين ألف جنيه ثمناً له.

   وقد حاول "ستورز" إقناع أعيان المسلمين بالفائدة التي يجنونها بالحصول على المبلغ المالي الكبير جداً لملكية ليس لها قيمة.. وحاول ترغيبهم في الحصول على الأموال لترميم الحرم القدسي، وسد عجز صندوق الأوقاف, وتطوير التعليم الإسلامي.. لكن هذه المحاولات لم تعدل شيئاً من موقف المسلمين.

    وفي نفس العام تأسس النادي العربي برعاية الحاج أمين الحسيني أخو المفتي كامل.. وكذلك نادي الإخاء والعفاف، والجمعية الإسلامية، ومنتدى آل الدجاني، وجمعية "الفدائية"، والمنتدى الأدبي.. وكان من أهداف هذه الجمعيات والنوادي تسليح الأعضاء بالأسلحة الخفيفة, وبث الدعاية بين بدو شرق الأردن, وبذل الجهد لتركيز الضباط الفلسطينيين في عمان، حتى يكونوا على أهبة الاستعداد، إذا أعلنت سياسة موالية للصهيونية.  

    وتشكلت في كل من يافا والقدس جمعية إسلامية مسيحية يهدف برنامجها إلى مقاومة السيطرة اليهودية, ومكافحة النفوذ اليهودي, والحيلولة بجميع الوسائل الممكنة دون شراء اليهود للأراضي. "12"

    وفي حزيران عام 1919م نزلت البلاد لجنة كنغ – كرين، وأبرقت من القدس في 20 /6 /1919م إلى ويلسون برقية قالت فيها (إن عرب فلسطين من مسلمين ومسيحيين متحدون في جبهة واحدة في معارضة واحدة لا تقبل جدلاً ولا تساؤلاً ضد الهجرة اليهودية ، وضد إنشاء وطن قومي لليهود، كما جاء في وعد بلفور، والكل هنا من أميركان وإنكليز مقتنعون بأن سياسة بلفور لا يمكن أن تنفذ إلا بقوة السلاح).    

********

 

الثورات إبان الحكم البريطاني

 

  ثورة بيت المقدس، ومقاومة الاستيطان :

    في تقريرها عن حوادث القدس عام 1920م قالت "لجنة شو" ما يأتي:

    "أنه وقعت في شهر نيسان 1920م اضطرابات في شوارع القدس وضواحيها بمناسبة موسم النبي موسى في اليوم الرابع من شهر نيسان والأيام التالية، هجم فيها العرب على اليهود، وقتل في أثنائها وفي أثناء الأعمال التي تلتها تسعة أشخاص، وجرح اثنان وعشرون شخصاً جراحاً خطيرة ومائتا شخص جراحاً ذات بال". "13"

    وفي تموز عام 1920م عينت الحكومة البريطانية "السير هربرت صموئيل" اليهودي الصهيوني مندوباً سامياً على فلسطين.. وبذلك بدأت بريطانيا بتطبيق نظام الانتداب البريطاني على فلسطين قبل التوقيع عليه فعلياً بثلاث سنوات.. (التوقيع في 29أيلول 1923م).

  وفي تشرين الثاني عام 1921م حدثت اضطرابات في القدس احتجاجاً على وعد بلفور، فهجم العرب على الحي اليهودي، وتبادلوا إطلاق النار، فقتل خمسه من اليهود, وثلاثة من العرب، وأصيب 36 شخصاً بجراح."14"

 

 

      ثورة البراق :

     يشكل الحائط الغربي للحرم الشريف جزءاً من الحائط الخارجي الغربي لهيكل هيرودوتس الكبير.. وقد سمح المسلمون لليهود في الماضي كرماً منهم ومنّه بزيارة الحائط المذكور.. فكانوا يقومون بتلك الزيارة بين آونة وأخرى، ولا سيما في يوم الصيام 9 آب ذاكرين هيكلهم ناحبين خرابه باكين دولتهم.. ومن هذا البكاء والنحيب عرف الحائط باسم حائط المبكي أو حائط النحيب.

    وهذا الحائط الذي هو جزء من الحرم الشريف "بعُرْف القانون" مُلك المسلمين الخاص، كما أن الرصيف الذي يقف اليهود عليه عند قيامهم بالزيارة، وقْْف إسلامي مؤيّده وقفتيه بصكوك محفوظة لدى دائرة الأوقاف.

  "طول الحائط 156 قدماً وارتفاعه 56 قدماً, ويبلغ طول بعض حجارته الضخمة 16قدماً".. ويعتقد المسلمون بأنه المكان الذي رُبط فيه البراق ليلة الإسراء.. ومنه عرف الحائط بحائط البراق.

    وفي أيلول من سنة 1928م يوم زيارة اليهود للحائط حملوا معهم "ستاراً"  ليضعوه على الرصيف لفصل النساء عن الرجال أثناء الزيارة.. إلا أن الحكومة رأت وضعه من المحدثات، فأمرت برفعه.. ولما امتنع اليهود عن التنفيذ, رُفع بواسطة البوليس.. وعلى أثر ذلك قامت قيامة اليهود ورفعوا شكواهم إلى جمعية الأمم.. وبدا الموقف ملتهباً بين العرب واليهود، وينذر باضطرابات واسعة.

    وفي يوم الجمعة 23 آب 1929م ، تدفق القرويون بأعداد كبيرة للحرم الشريف لأداء صلاة الجمعة, وهم مسلحون بالعصي والهراوات.. وبعد الصلاة شن المصلون هجوماً على اليهود، ثم امتدت اضطرابات القدس إلى الخليل ونابلس وبيسان.. كما هاجم العرب المستعمرات اليهودية ودمّروا ست مستعمرات تدميراً كاملاً.

    وفي يافا هجم اليهود على العرب ومثّلوا بإمام أحد المساجد مع أفراد عائلته.

    وفي اليوم السادس والعشرين من آب هجم اليهود على مقام الصحابي "عكاشة" في ظاهرة مدينة القدس بجهة الشمال مما يلي إلى الغرب، وأخذ المهاجمون بهدم البناء والقبور وتمزيق المصاحف وإحراق ونهب وإتلاف ما عثروا عليه في المكان.

    وفي الساعة الخامسة والربع من مساء يوم 29 آب هاجم العرب حي اليهود في صفد، وأضرمت النار في عدة منازل وحوانيت يهودية، وقد بلغ مجموع القتلى من اليهود (133) نسمة، وبلغ عدد الجرحى (339) جريحاً, أما العرب فقد بلغ مجموع عدد قتلاهم (116) نسمة والجرحى 232 جريحاً.

    ولما كانت قضية المبكى هي السبب المباشر في حوادث سنة 1929م فقد أُلفت لجنة دولية (مؤلفة من سويدي وسويسري وهولندي) وصلت إلى القدس صيف عام 1930م "15"، وبعد أن استمعت للطرفين المتنازعين, قدمت تقريرها بالإجماع جاء فيه "للمسلمين وحدهم, تعود ملكية الحائط الغربي، لكونه يؤلف جزءاً لا يتجزأ من مساحة الحرم الشريف، ولهم أيضاً تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط، ويمنع جلب أي خيمة أو ستار أو ما شابهما من الأدوات إلى الحائط لوضعها هناك ولو كان ذلك لمدة محدودة."16"  

 

      مظاهرة القدس عام 1933:  

    كان تدفق الهجرة اليهودية من شرعية وغير شرعية للبلاد عام 1933م، قد أثار مخاوف العرب, مما اضطر اللجنة التنفيذية أن تقرر إقامة مظاهرات في البلاد احتجاجاً على التدفق المذكور الذي يهدف القضاء على العرب, وإحلال اليهود محلهم.

    وفي ويوم الجمعة 13 تشرين الأول عام 1933م بدأ الإضراب العام وإقامة المظاهرات ابتداء من القدس، وقد خرج المتظاهرون بعد صلاة الجمعة من الحرم الشريف بقيادة موسى كاظم الحسيني متجهين نحو كنيسة القيامة، وعند باب العمود هاجمت قوات الحكومة المتظاهرين.. وقد تجاوز عدد الجرحى الستين، توفي فيما بعد خمسة أشخاص. "17"

 

      ثورة عام 1936م    

    كانت اضطرابات سنة 1936م أوسع مدى من كل ما سبقها من الاضطرابات، فقد دامت مدة أطول، وانتشرت في البلاد انتشاراً أوسع وأعم، وكانت أكثر كفاية واتقاناً في التنظيم.

    فقد أصدرت بريطانيا في نفس العام قراراً بتقسيم فلسطين إلى قسمين، قسم إلى اليهود وقسم إلى العرب، وقد رفض العرب هذا القرار، وبدأ سكان فلسطين بمقاومة الإحتلال البريطاني لسياستهم ضد العرب, المتمثلة في فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية من بقاع العالم وتشجيع اليهود على احتلال الأراضي.

    وفي 21نيسان 1936م أعلن شعب فلسطين الإضراب العام احتجاجاً على سياسة بريطانيا المنحازة لليهود، واستمر الإضراب الشامل حتى كانون الثاني.. وفي تلك الأثناء اتحدت الأحزاب الفلسطينية, وتشكلت اللجنة العربية العليا من جميع الأحزاب الفلسطينية, ولخصت مطالبها بالنقاط التالية:

1-      وقف الهجرة اليهودية نهائياً.

2-      منع انتقال الأراضي لليهود.

3-      إنشاء حكومة وطنية في ظل حياة برلمانية.

    لكن بريطانيا لم تستجب لهذه المطالب.. ولذلك قررت اللجنة الدعوة إلى مهاجمة المستعمرات اليهودية ونسف القطارات الانكليزية. "18"

    وفي هذه الثورة بدت ظاهرة جديدة هي استعمال السلاح والمفرقعات على مقياس واسع "وكما قالت اللجنة الملكية في تقريرها ص 136 – 139 بأن (195) شخصاً من العرب قتلوا أو ماتوا متأثرين بجراحهم, وان (804) أشخاص أصيبوا بجراح.. أما اليهود فقد قتل منهم ثمانون شخصاً أو ماتوا متأثرين بجراحهم, وان (308) أشخاص أصيبوا بجراح، عدا عن الخسارات المادية الكبيرة للطرفين". "19" 

 

    وفي عام 1937م قامت ثورة كبرى استمرت تارة على شكل مظاهرات, وتارة على شكل معارك متقطعة, إلى أن انتهت في أيلول من عام 1939م.

 

    وفي مطلع عام 1944م أستأنف اليهود ثورتهم وإرهابهم ضد العرب والمنشآت البريطانية على السواء، وكان نصيب القدس من هذا الإرهاب كبيراً.. من ذلك نسفهم جانباً من فندق الملك داود, وتدمير دوائر الهجرة وضريبة الدخل في القدس وتل أبيب وحيفا، والهجوم على دوائر البوليس وتسجيل الأراضي في المدينة.. وقد أصيب عدد من رجال البوليس وأتلفت سجلات الأراضي.

    وفي 18 آب من عام 1944 نصب اليهود كميناً لاغتيال المندوب السامي ماكمايكل عند مدخل القدس من الغرب ، بينما كان مع زوجته ومرافقه في طريقهم إلى يافا، لكنه نجا.. كما حاولوا أيضاً قتل الجنرال باركر القائد العام البريطاني في فلسطين.. وكذلك المارشال غورت الذي نجا أيضاً بأعجوبة. "20"       

 

الحرب العربية اليهودية في القدس عامي 47 و 1948م :

 

    نظرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قضية فلسطين في دورتين عقدتا في عام 1947م، وأصدرت قراراً رعته حكومة الولايات المتحدة، يدعو هذا القرار إلى إنهاء الانتداب البريطاني، وتقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية، واعتبار القدس والمدن المحيطة بها بما في ذلك بيت لحم منطقة منفصلة يتم وضعها تحت نظام دولي خاص، يتولى إدارته مجلس وصاية نيابة عن الأمم المتحدة.. وقد رفض العرب هذا القرار.. ودعت الهيئة العربية العليا إلى الإضراب العام من الثاني وحتى الرابع من كانون الأول لعام 1947م.

    وما أن أعلنت بريطانيا إنهاء انتدابها على فلسطين في الخامس عشر من أيار لعام 1948م حتى أعلن بن جوريون قيام دولة يهودية في فلسطين باسم إسرائيل. "21"

    وقد قامت المظاهرات الصاخبة منادية بسقوط بريطانيا، وسقوط الوطن القومي اليهودي، وسقوط هيئة الأمم المتحدة وقرارها بالتقسيم.. فاضطرب الأمن، وابتدأت المعارك تدور بين العرب واليهود.

    بدأ العرب بمهاجمة الباصات اليهودية في القدس، ثم تحولت هذه المناوشات إلى نسف البيوت وتدميرها.. وبدأت الأضرار تلحق بممتلكات اليهود والعرب على السواء.

    في اليوم الأول من شهر شباط عام 1948م نسف شارع "هاسوليل" فتحطمت ثمان عمارات ضخمة، وقتل وجرح عدد كبير من اليهود.. وقد رسم الخطة عبد القادر الحسيني.

    في 12 شباط 1948م هاجم العرب حي المونتيغيوري واقتحموه، مما دعا الجيش البريطاني للتدخل لصالح الجيش اليهودي.

    في 22 شباط من نفس العام نسف شارع بن يهوذا بأمر وتخطيط عبد القادر الحسيني أيضاً، قتل فيه أكثر من 74 يهودياً وجرح أكثر من مائتي شخص.

    في الحادي عشر من آذار عام 48 نسف العرب دار الوكالة اليهودية في شارع الملك جورج بالقدس.

    في التاسع من نيسان عام 1948م باغت اليهود سكان قرية دير ياسين وفتكوا بهم دون تمييز بين الأطفال والشيوخ والنساء، ومثّلوا بجثث القتلى.. وبلغ عدد الضحايا (300) شخص، مما بعث الرعب والفزع في القرى العربية جميعها.. وأصبح الناس يهجرون قراهم لأبسط الأسباب.. وساعدت الصحافة العربية عن غير قصد على تحقيق أهداف اليهود بسردها تفاصيل الجريمة الوحشية. "22"

    في الثالث عشر من نيسان لنفس العام هاجم العرب قافلة باصات يهودية تُقلّ عدداً كبيراً من اليهود، وحدثت معركة في حي الشيخ جراح في القدس.. كان حصيلتها ( 75) قتيلاً عدا عن الجرحى.. وكان ذلك بعد مذبحة دير ياسين بأربعة أيام انتقاماً لها. "23"

    ونتيجة لذلك تدخل الجيش البريطاني لصالح اليهود، واحتل حي الشيخ جراح ونهب محتوياته.. وبعد انسحاب الجيش البريطاني في 14 أيار آخر أيام الحكم البريطاني، تمكن اليهود بقواتهم الكبيرة من احتلال الحي، ولكن ما كادت طلائع الجيش العربي الأردني تظهر على التلال المجاورة حتى فرّ اليهود في 18/5/1948م، وظل الحي عربياً إلى صيف عام 1967م.

 

  معارك القطمون :

    القطمون حي عربي يقع على رابية غربي القدس إلى الجنوب.. وعلى الرابية دير قديم، وقد سقط بعد معارك دامية بين العرب واليهود وتحيّز الجيش البريطاني لليهود.. وقد استشهد في معارك القطمون (206) شهداء من أصل (217) ممن يدافعون عنه. "24"

 

     ساعات الإنجليز الأخيرة في بيت المقدس :

   في اليوم الرابع عشر من أيار عام 1948م غادر الفوج الأخير من القوات البريطانية مدينة القدس، فوقف الفريقان العرب واليهود وجهاً لوجه.. واشتعلت نيران القتال في جميع أنحاء المدينة، وفي نفس اليوم احتل اليهود المسكوبية.

    في 16 و17 أيار 1948م استمر قصف المدافع وتبادل النيران بين العرب واليهود.. وقام اليهود بهجومين على باب الخليل.. وقد صدّهم العرب رغم تعبهم وقلة أسلحتهم.

    في 18 أيار 1948م أخذ اليهود يحتلون أجزاء كبيرة من القدس.. فأتموا الاستيلاء على القطمون والبقعة والطالبية والنبي داوود وحي الثوري ومحطة السكة الحديدية ومستشفى العيون والمسكوبية ودار مصلحة البريد والبرق المركزية والنوتردام.. أي انهم استولوا على معظم البنايات والمرتفعات ذات الأهمية الاستراتيجية.

    في 20 أيار 1948م تقدم الجيش العربي الأردني وهاجم الحي اليهودي المحصور.. وفي الساعة العاشرة من صباح 28/5/1948م استسلم  اليهود ودخل العرب الحي.

    في الأيام العشرة الأولى من حزيران، ظل الطرفان العربي واليهودي يتبادلان قصف المدافع العشوائية.. فأخذت الحرائق تشتعل في البيوت والشوارع.. وقد فرض العرب حصاراً على الأحياء اليهودية في القدس. "25"

 

     الهدنــــة الأولـــى :

    وأخيراً تدخل مجلس الأمن الدولي، وأقر اقتراحاً بريطانياً بأن يوقف العرب واليهود القتال، وأن يقبلوا هدنة مدتها أربع أسابيع, يعمل خلالها الوسيط الدولي الكونت فولك برنادوت على التوفيق بينهم.

    وقد بدأت الهدنة في الساعة العاشرة من صباح يوم الجمعة الموافق 11 حزيران 1948م، لكن اليهود خرقوا شروط الهدنة، وهرّبوا السلاح الذي اشتروه من تشيكوسلوفياكيا وغيرها بالسفن, وزوّدوا به جيوشهم ومستعمراتهم وأحياءهم.. وأما العرب فبقيوا ساكنين خامدين متخاذلين، وانقلبت الآية.. فكانت الهدنة نعمة لليهود ونقمة على العرب.

    وفي تموزعندما استؤنف القتال, كان الوضع قد تبدّل.. فأحتل اليهود المدن والقرى وبقاع كثيرة حتى أعلنت الهدنة الثانية.

 

     الهدنــــة الثانيـة :

    بدأت في الساعة الخامسة من بعد ظهر يوم 12 تموز 1948م، وفي هذه الهدنة غادر خلق كثير منازلهم، وهربوا من مواقعهم.

    وفي 16 تموز 1948م بدأ القصف ليلاً  بين العرب واليهود، فأصيب مسجد الصخرة والأقصى وقبة المعراج ومواضع أخرى من الحرم وكنيسة القيامة والدباغة ودرب الآلام وبعض الأديار وغيرها.

    وفي 17 أيلول من عام 1948 اغتال اليهود الكونت فولك برنادوت, كما اغتالوا رفيقه أندره . ب. سرو- كبير المراقبين الدوليين.. اغتالوههما في الحي اليهودي بين رحافيا والطالبية، لأن تقاريرهما للأمم المتحدة لا تتفق مع مطامع اليهود, واعتبروهما ميالين للعرب."26"

    وفي 3/ 4/1949م وقعت اتفاقية الهدنة بين الأردن واليهود، فقسمت مدينة القدس إلى الأقسام التالية:

  القطاع اليهودي (4065) فداناً أي ما يعادل 84.13% من مساحة القدس.

  القطاع العربي (555)  فداناً أي ما يعادل  11.48% من مساحة القدس.

  قطاع هيئة الأمم المتحدة والأراضي الحرام (214) فداناً أي ما يعادل 3.49% من مساحة القدس.

    وفي حرب الأيام الستة من 5 إلى 10 حزيران من عام 1967م استولى اليهود على القطاع العربي من القدس مع بقية الضفة الغربية.

********

المراجـــع:

 

1-      تحولات جذرية في فلسطين 1856- 1882م تأليف الكزاندر شولش ص 328.

2-      المنهل – العدد 508 – ص 185 .

3-      تحولات جذرية في فلسطين 1856 – 1882 تأليف الكزاندر شولش ص 92.

4-      المنهل العدد 508 العدد السنوي الخاص – ص 182 .

5-      مصطفى مراد الدباغ – بلادنا فلسطين ج1 الطبعة الثانية – ص 141 .

6-      ياقوت الحموي – معجم البلدان .

7-      مصطفى مراد الدباغ – بلادنا فلسطين ج8 قسم2 في ديار بيت المقدس – ص 52 و 134 .

8-      تحولات جذرية في فلسطين 1856– 1882 تأليف الكزاندر شولش – ص 90.

9-      تحولات جذرية في فلسطين 1856 – 1882 تأليف الكزاندر شولش – ص 79-80 .

10-  المنهل – العدد 508 – ص 183 .

11-  بلادنا فلسطين – مصطفى مراد الدباغ ج8 قسم2 في ديار بيت المقدس – ص 50 .

12-  بلادنا فلسطين – المصدر السابق- ج10 قسم2– ص 238 .

13-  بلادنا فلسطين – المصدر السابق- ج10 قسم2 – ص 249 .

14-  بلادنا فلسطين – المصدر السابق- ج10 قسم2 – ص 254.

15-  بلادنا فلسطين – المصدر السابق- ج10 قسم2– ص 267- 269 .

16- عروبة القدس – إسحاق موسى الحسيني ص 17 من مقال نشره جانس في جريدةThe stats man neva  oely  بتاريخ 23 تموز 1967م.

17-   مصطفى مراد الدباغ – بلادنا فلسطين ج4 قسم2 في ديار بيت المقدس– ص 89 .

18-  حسن حموده – العباسية – ص 28 و 29 .

19-  مصطفى مراد الدباغ – بلادنا فلسطين ج10 قسم2 – ص 282 .

20-  مصطفى مراد الدباغ – بلادنا فلسطين ج10 قسم2 – ص 285 .

21-  المنهل – العدد 508 العدد السنوي الخاص – ص 183 .

22-  عبد الله التل – كارثة فلسطين – ص 17 – 18 .

23-  مصطفى مراد الدباغ – بلادنا فلسطين ج8 قسم2 – ص 134 .

24-  مصطفى مراد الدباغ – بلادنا فلسطين ج10 قسم2 – ص 289 – 293 .

25-  عارف العارف – النكبة – الجزء الأول

26-  عارف العارف – النكبة  - الجزء الأول – ص 290 – 300 .

*************

 

 

العودة لقائمة أبواب كتاب صوبا
  حقوق الطبع ©2017 صوبـــا. جميع الحقوق محفوظه
زوار الموقع : 332053
  تصميم و تطوير