الباب الاول: القوى المحلية في فلسطين وزعماء جبل القدس

 

     كتاب صوبا - تاريخ وطن وحياة قرية (ابراهيم عوض الله الفقيه)

 

البــاب الأول

 

أنســــاب العــــرب

 

  نبذة تاريخية عن القبائل العربية.

     القبائل العربية  التي سكنت فلسطين وبلاد الشام.

  القوى المحلية في فلسطين – قيس ويمن.

  زعمــــاء جبـــل القدس.

  لمحـــة تاريخيـــــــة.

=========================================== 

أنســاب العربلمحة تاريخية

 

    يرجع النسابون العرب كما هو معروف إلى أقسام ثلاثة:

1-      العرب البائدة.

2-      العرب العاربة.

3-      العرب المستعربة.

 

1-     العرب البائدة:

    وهم العرب الأولون الذين بادوا ودرست آثارهم , ولم يظهر لهم أثر لانقطاع أخبارهم.

    ومنهم قوم عاد وقوم هود وقوم لقمان وقوم ثمود, وكذلك طسم وجديس وعميلقه بن لاوز وطوائفه كثيرة، حيث كان يضرب بهم المثل في القوة وضخامة الجسم، وقد أقام بعضهم في بادية الشام وغور الأردن وفلسطين.

    وقد بادوا كلهم، ولا نعرف أخبارهم إلا من القرآن الكريم.

    2- العرب العاربة:

    وهم العرب الحقيقيون من نسل قحطان بن عامر المنتهي نسبه إلى سام, و"سام أبو العرب" حديث شريف/الطبري/ تاريخ الرسل والملوك/دار المعارف – مصر.

    وقحطان أبو اليمن – وهم بنو جرهم.

    ويرى بعض المؤرخين أن قحطان عاش في نحو القرن العشرين قبل الميلاد.. وإليه تنسب القحطانية.

    والقحطانيون عرب منذ أن خلقهم الله، وهم القبائل اليمانية، ويروى أن أول من أصبح زعيماً للعرب وملكاً على قبائل اليمن كلها يعرب بن قحطان، وهو أول من حيّاه قومه بتحية الملك وهي "أبيت اللعن وأنعم صبحاً".. وهو أول من تكلم باللغة العربية الفصيحة، وهي منسوبة إليه ومشتقة من اسمه، وقد ولى أخاه "جرهماً" على بلاد الحجاز.

    ومن أمهات قبائل قحطان حمير وكهلان وهما شقيقان، وقد كانت لهم علاقة وثيقة بفلسطين اكثر من غيرهم من القبائل العربية الأخرى، فغالبية أهل فلسطين قحطانية وقسم منهم عدنانية.

   والجيوش الفاتحة في صدر الإسلام كان يغلب عليها القبائل القحطانية "1".

   3- العرب المستعربة :

    وهم أهل نجد والحجاز- الاسماعيلية والعدنانية - وقد دعوا بالعدنانيين نسبة إلى جدهم عدنان.

    وهم الأقوام الذين دخلوا في العرب وتعربوا من غير القحطانيين.

    وهم بنو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.. وإسماعيل النبي العربي الذي ولدته أمه هاجر على الأرض التي باركها الله فلسطين، ثم نقله والده وأمه هاجر إلى بلاد الحجاز، وكانت الأرض خالية من الماء والزرع, حيث قدموا إلى أرض مكة, ونزلوا بموضع كما أمر الله إبراهيم، وقد دعا لهم إبراهيم حيث قال في القرآن الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم  {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم, ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} صدق الله العظيم – الآية 37 سورة إبراهيم.. فأنبع الله لهم ماء زمزم من بين رجلي إسماعيل, وأمه تسعى بين الصفا والمروة.

    (وبيتك المحرم هي مكة قبل الطوفان) وقد حضر إليهم قوم بني جرهم "قحطان" وانضموا إليهم وتعايشوا معهم، وتعلم إسماعيل العربية منهم.. وبعد مدة زاره أبوه إبراهيم عليه السلام ورفعا البيت المحرم معاً، ثم تزوج إسماعيل سيدة من سيدات جرهم فولدت منه اثني عشر ولداً ذكراً.. وهم: ثابت, قيدار, أذيل, ميشا, مسمع, رماه, آزر, قطورا, فاقس, طيما, قيدامان, ماش.. ومن ثابت وقيدار نشر الله العرب الإسماعيلية.

    وقد أصبحوا فيما بعد اثنتي عشر قبيلة، حيث اختلفوا في أمر الملك على الحجاز، وقد قيل إن الملك كان في جرهم ومفاتيح الكعبة في ولد إسماعيل الذي جاء من نسله عدنان، وإليه انتهى نسب النبي صلى الله عليه وسلم وأشراف قريش، حيث استطاعت قبيلة قريش فيما بعد أن تنزعم جميع القبائل العربية في الحجاز وفي شبه الجزيرة العربية.

    ومن القبائل العدنانية "معد" وهو الذي على عمود نسب الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهم قبيلة نزار وقبيلة إياد بن نزار وقبيلة مضر بن نزار، ومن أشهر قبائل مضر مدركه, تميم, قيس عيلان, ومن قبائل قيس عيلان قبيلة عبس وقبيلة بني هلال.

قـبيـلة جرهـم:

    قدمت إلى الحجاز من اليمن, وأصبحت لها السيادة المطلقة على بلاد الحجاز، وعندما قدمت هاجر وابنها الرضيع اسماعيل من فلسطين نزلت أرض مكة، وقد أقامت هي وابنها عند الماء - ماء زمزم – الذي نبع عند قدمي الرضيع، وعندما جاءت قبيلة جرهم طالبة للماء، رحبت بهم هاجر وسمحت لهم أن يقيموا عندها على أن تكون لها السيادة على ماء زمزم.. فقبلت جرهم بهذا الشرط..  وشب ابنها إسماعيل بين فتيان هذه القبيلة، وتعلم منهم اللغة العربية، وتزوج امرأة منهم ورزق اثني عشر ذكراً.

قـبيــلة سـبأ "السبأيون":

    نسبة إلى عبد شمس الملقب بـ "سبأ" بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وسمي بـ سبأ لأنه أول من أدخل السبايا إلى اليمن، وقد بنى سد مأرب، وعندما تهدم ارتحلت قبائل اليمن وتفرقت في طول البلاد وعرضها.. فضرب العرب بهم المثل فقيل "ذهب القوم بأيدي سبأ" أي تفرقوا.

قـبيــلة حـمْير:

    إحدى بطون سبأ من القحطانية – نسبة إلى حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب، وقد سمي بـ حمير لكثرة لباسه الأحمر، ومن بطون حمير قبيلة قضاعة، ومن بطون قضاعه: بلي, جهينة, كلب, عذره, جرم. "2"

قـبيــلة كِنـده:

    من كهلان، وكنده أبوهم واسمه ثور، وقد سمي كنده لأنه كند أباه, أي كفر بنعمته.

    وكنده هذا ابن أخي جذام , لخم وعامل، وكان له ملك باليمن والحجاز، وإلى كنده ينسب الشاعر امرؤ القيس والصحابي شرحبيل بن حسنة الذي فتح شمال فلسطين، ومات في طاعون عمواس، ولا زال قبرة يعتبر مزاراً لهذا الوقت بغور الأردن.

    وقد نزلت بعض بطون كنده فلسطين، منها:

    الصعوب    : نزلوا ديار طول كرم.

    الجوت      : نزلوا مصر وبيروت ويافا.

    بني الصدف: نزلوا دير غسان.

    الحت       : نزلوا في غزه وبلاد الخليل. "3"

قـبيـلة طـيء: 

    وهم بنو طيء بن أدد بن زيد المنتهي نسبه إلى كهلان، وكانت منازلهم باليمن، وحين خرجوا منها نزلوا الحجاز ثم جبلي أجا وسلمى في نجد.

    وإلى طيء ينسب الشاعر حاتم الطائي المشهور بالكرم.

قـبيـلة سُنْبـس: 

    بطن من بطون طيء، نزلوا جنوب فلسطين، ويبدو أن مقامهم الرئيسي كان في الموقع الذي يحمل اليوم أسم "خربة سنبس" في الظاهر الشرقي من قرية "حليقات" في بلاد غزه.

قـبيـلة سعد العشيرة:

    سعد العشيرة بن مالك وهو مذحج بن أود بن يزيد بن يشجب بن زيد بن كهلان، من القحطانية، وسمي سعد العشيرة لأن أولاده وأولاد أولاده بلغ عددهم مائة رجل يركبون معه، فكان إذا سئل عنهم يقول هؤلاء عشيرتي، وقاية لهم من العين."4"

    ومن أشهر بطون هذه القبيلة "بنو زبيد" الذين تزعمهم عمرو بن معد بن يكرب الزبيدي، وقد ترأس وفداً من قبيلته سنة 9هــ وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلنوا إسلامهم.. وعمرو هو الذي نقل التلبية للمسلمين نقلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتلبية هي "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، وقد اشترك في معركة اليرموك وأبلى بلاء حسناً.. ثم التحق بالحملات العراقية، وهناك شهد عامة الفتوح بالعراق, وقد أبلى أيضاً بمعركة القادسية البلاء الحسن.

  ومن الذين يعودون بنسبهم إلى هذه القبيلة الشاعر المشهور أبو الطيب المتنبي الذي جمع بين السيف والقلم وقال في ذلك

    الخيل والليل والبيداء تعرفني   والسيف والرمح والقرطاس والقلم

    ومن قبيلة سعد أيضاً بنو عِلّة، ومن أوديتهم حُـلب بتهامة اليمن بين الجون وجازان، وكان يُقال له الخصوف، ومن أصنامهم فراّس كان في بلادهم."5"

    وكان يقال في العرب عن مذحج، مذحج الطعان, وعن كنده – كندة الملوك، وعن حمير – أرباب العرب, وعن الأزد, أسد الناس."6"

    وأولاد "سعد العشيرة بن مذحج" جعفي بن سعد, وجنب من سعد, الحكم بن سعد, عائذ الله بن سعد, عبد الله بن سعد, الصعب بن سعد, اللبوة بن سعد, خالد بن سعد, عمرو بن سعد, وحمل بن سعد.

    فأما جعفي بن سعد فمنهم مران وحريم ابنا جعفي.

    وأما الصعب بن سعد فمنهم  زبيد وأود ابنا صعب."7"

    وفي مذحج (رَمّـان) براء مفتوحة – ابن كعب بن أود بن صعب بن سعد العشيرة."8"

  ورَمّان بن كعب: بطن من بطون مذحج من القحطانية، وهم بنو رمان بن كعب ابن أود بن صعب بن سعد العشيرة. "9"

    وعمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن عنس "عَنْْْس" بطن من بطون "مذحج" من اليمن – ورهط العنسي "الأسود العنسي– المتنبي باليمن".. وهم أخوة مراد بن مذحج وسعد العشيرة بن مذحج.

    وكان ياسر قد قدم من اليمن وحالف بن حذيفة بن المغيرة المخزومي فزوّجه أَمَة له اسمها سمية التي أنجبت عماراً، وشهد عمار واقعة صفين مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ودفن هناك.

بنو مذحـج :                     

    من قبائل قحطان، وهو مالك بن أود بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان ابن سبأ "عبد شمس" بن قحطان ابن سام جد العرب."10" 

    ومن بطون مذحج: جَلْْد بن مذحج ومراد وسعد العشيرة ابن مذحج.

    ومن بطون سعد العشيرة بن مذحج:

    بنو حكم بن سعد العشيرة، وبنو جعفي بن سعد العشيرة، وأود بن صعب بن سعد العشيرة، وزبيد بن صعب بن سعد العشيرة."11"

بني جعفي بن سعد العشيرة : 

    نسبة إلى وادي جعفي باليمن.

    وقد وفد عبد الله بن الذؤيب بن سلمة بن سعد بن عمر بن ذهل بن مران بن جعفي ابن ربيعة بن صعب بن سعد العشيرة – وفد على النبي صلى الله عليه وسلم هو وابناه سَبْره وعبد الرحمن.. فأقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وادي جعفي باليمن – واسم الوادي جردان.

    وابنه عبد الرحمن بن عبد الله بن الذؤيب، شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ولاه الحجاج أصبهان.

    أما ابنه خثيمة بن عبد الرحمن الفقيه.. فقد صحب أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً, وابن مسعود، وقد شهد وقعة صفين مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه."12"

    وقد نزلت القبائل القحطانية – ومنها بعض بطون مذحج "مالك" فلسطين مع الجيوش الإسلامية الفاتحة زمن صلاح الدين الأيوبي، فنزل بعضها في قرى القدس الغربية، ونزل بنو الحارث شمال وغرب رام الله.

    ومن القبائل التي نزلت فلسطين أيضاً.. القبائل العدنانية، حيث رحل جزء كبير من موطنهم الأصلي "نجد والحجاز" وأقاموا في فلسطين.

    والقبائل اليمنية "القحطانية" أقامت واختلطت مع القبائل العدنانية في فلسطين وبلاد الشام.. وكان لهذا الاختلاط أكبر الأثر على حياة السكان في فلسطين على مر العصور، خاصة عندما دار صراع طويل بين القيسيين واليمنيين "قيس ويمن" في القرن التاسع عشر.

**********

  المراجــــع:

1-        ياقوت الحموي – معجم البلدان.

         بيك فريدريك – تاريخ شرق الأردن وقبائلها – تعريب بهاء طوقان.

         أبو العباس أحمد القلقسندي– نهاية الأرب في معرفة انساب العرب.

2-        أحمد أبو خوصه – العشائر الأردنية والفلسطنية ووشائج القربى بينهم ج1- ص72.

3-        قاسم أحمد الرمحي – المزيرعه – الطبة الأولى – ص 31.  

4-        ابن حزم الأندلسي – جمهرة أنساب العرب – ص 405 .

5-        عمر رضا كحالة– معجم قبائل العرب القديمة والحديثة ج2–ص519

       ابن حزم الاندلسي – جمهرة أنساب العرب – ص 383 – 385

       ياقوت الحموي – معجم البلدان ج2 ص97 و ج3 – ص 864

6-        ابن قتيبة – المعارف ط3 دار المعارف بمصر – ص 107

7-         ابن قتيبة – المعارف ط3 دار المعارف بمصر – ص 105 /106 و 256.

8-        ابن حبيب بن جعفر محمد – مختلف القبائل ومؤتلفها – تحقيق إبراهيم الأبياري – ص 79 .

9-        عمر رضا كحالة – معجم قبائل العرب القديمة والحديثة ج2 – ص 445 .

         ابن عبد ربه – العقد الفريد ج2 – ص 81 .

10-    ابن حزم الأندلسي – جمهرة انساب العرب – ص 485 .

11-    ابن حزم الأندلسي – جمهرة أنساب العرب – ص 477 –  479 .

12-    ابن حزم الأندلسي – جمهرة أنساب العرب – ص 410 .

************* 

القوى المحلية في فلسطيـــن

قيس ويمن 

 

    إن جذور الحزبية تكمن فيما توارثته قبائل العرب من أصل ثنائي مجسد في أشخاص.. فعرب الشمال "قيس" وعرب الجنوب "يمن" يردون أصلهم إلى جدين أوليين مختلفين – الأولون إلى "عدنان" والأخيرون إلى "قحطان". "1"

    بيد أن التنظيم النسبي لهذا الأصل المصنوع جرى من باب استرجاع الماضي، بعد أن انقسمت القبائل العربية التي ازداد عددها إلى حزبين على أساس "رموز مشتركة نصف مفقودة وجديدة".

    وفي ظل هذا التقسيم الممعن في بعده عن الواقع إلى عرب شمال وعرب جنوب، جرت خصومات طويلة ومدمرة للذات في القرنين الأولين من التاريخ العربي الإسلامي، ثم فقدت هذه العصبية الحزبية أهميتها السياسية العسكرية المباشرة "ولم يعد هناك إلا مكانان" كما يقول "كاسكل"، ( ظل فيها التناقض بين قيس ويمن قائماً بحدته الكاملة, وبتشبّت لا يصدّق حتى مشارف العصر الحاضر.. هما لبنان وفلسطين). "2"

    وقد كان لظهور القوى المحلية في فلسطين وتحديها للسلطات الحاكمة عبر تاريخها الطويل عدة عوامل.. وفي طليعة هذه العوامل العامل الجغرافي .. إذ أدى تنوع طبوغرافية فلسطين ووجود الأودية والجبال والسهول والأنهار جنباً إلى جنب في مساحات صغيرة، إلى قيام تجمعات بشرية في كل منطقة, حافظت على خصوصيتها عبر الزمن بالرغم من أنها ارتبطت بعضها ببعض, وبخاصة في النواحي الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

    ومن العوامل الأخرى وقوع فلسطين بمحاذاة البوادي التي كانت ممراً للقبائل المتجهة من الجزيرة العربية إلى بادية الشام، مما جعلها تتأثر بهجرات هذه القبائل إما مباشرة أو عن طريق القبائل الصغرى على أطراف البادية التي توغلت في فلسطين , وأقامت فيها هرباً من القبائل الكبرى المسيطرة على الطرق الرئيسة في بادية الشام.

    وإطلالة فلسطين على البحر المتوسط واحتكاكها بالموانئ المجاورة سواء تلك التي في بلاد الشام أم في مصر, وكذلك البلدان الأوروبية والأمريكية فيما بعد.. زاد من انفتاحها على الغرب وشجع الجاليات الأجنبية على الإقامة فيها، وبخاصة في الموانئ والمدن الرئيسة.

    وقد تبدت عوامل الانفتاح والاندماج هذه كأوضح ما يكون في المنطقتين الساحلية والشمالية من فلسطين اللتين خضعتا لمراكز السلطة في الشمال والغرب، فأصبحتا في القرن التاسع عشر هادئتين سياسياً بالمقارنة مع ما كانتا عليه في القرن الثامن عشر، وكذلك في القرنين السابقين للقرن الثامن عشر حين برزت فيها زعامات محلية.

    وشهدت الفترة بين نهاية حكم الجزار (1804م) والاحتلال المصري لبلاد الشام (1831م) نهاية تسلط أكبر أسرة في منطقة الناصرة ومرج ابن عامر وحيفا وعكا، وهي أسرة آل ماضي التي لعبت دوراً هاماً في القرن الثامن عشر، كما توصل أحد أفرادها "مسعود ماضي" إلى حكم غزة قبل احتلال المصريين لها، ولكن إبراهيم باشا قضى على نفوذها ولم تستطع استرداده بعد ذلك.

    وبخضوع المنطقة الشمالية من فلسطين للقوى الحاكمة في دمشق وعكا.. انتقل ثقل الأحداث والتحديات المحلية إلى الجزء الأوسط والجنوبي, وبخاصة مناطق نابلس والقدس والخليل نظراً لموقعها الجغرافي المنيع – وبُعدها عن مراكز السلطة في الشمال وعلى الساحل.. وتحدّت القوى المحلية في هذه المناطق السلطات الحاكمة أيّاً كان نوعها.

    وتتألف هذه القوى المحلية من زعماء القرى وزعماء القبائل البدوية الذين برزوا في المناطق الجبلية, وإلى الجنوب منها منطقة غزة.. وكذلك إلى الشرق منها باتجاه الضفة الغربية لنهر الأردن, امتداداً للقوى البدوية في الضفة الشرقية.. وأمكن للعثمانيين في فترة التنظيمات أن يسيطروا على معظم هذه القوى, ويشركوها في الإدارة المحلية في محاولة ناجحة لضمان سيطرتهم عليها.

    وتكمن أهمية ذلك في إنه يمكن أن نلاحظ نمطاً سلوكياً استقلالياً في هذه المناطق بتحدي السلطات الحاكمة التي تحاول إخضاعه لها، وتتبدى في هذا السلوك تقاليد راسخة ومستمرة من الماضي، تتجلى في شخصية محلية أو وطنية ترفض الخضوع لأية سلطة إلا برضاها, ومن خلال ترابط مصلحة الطرفين.

    وقد عُرف زعماء القوى المحلية سواء منهم المقيمون في القرى أو في مناطق البادية بالمشايخ.. وتعاملوا مع السلطة في مراكز المدن بالخضوع لها وتأدية الضرائب حيناً وبالثورة والامتناع عن دفعها حيناً أخر، ويتوقف ذلك على طبيعة هذه السلطة وقوتها، وعلى قوة المشايخ أنفسهم وخلافاتهم بعضهم مع بعض من فترة إلى أخرى.. وإذا ما صممت الدولة على إخضاعهم، هجروا قراهم ومناطق تجمّعهم ريثما تنتهي حملة الدولة ضدهم.

    وفي القتال فيما بينهم أو مع السلطة لعبت النساء دوراً هاماً في تشجيع المقاتلين والعناية بجرحاهم وكشف مواقع الأعداء، وتمتعن بإحترام الفريقين المتقاتلين .. وإذا ما خرجت النساء مع المقاتلين فمعنى ذلك أن الأمر جدي والحرب واقعة لا محالة.

    وقُسّمت القرى إلى حمائل (جمع حميلة وحمولة) أو أسر، وتتوقف سلطة الحمولة على أعداد أفرادها، ويختار شيخ القرية عادة من أقوى هذه الحمائل، ويتعصب أفراد هذه الحمائل بعضهم لبعض في السراء والضراء، ويتحملون أية مسؤولية أو غرامة أو عقاب يتعرض له أحد أفراد الحمولة، وحين يعترف أفراد القرية بشيخ لهم يحاول هذا جهده ولو بالرشوة أحياناً أن تعترف به السلطة.

    وانتظم مشايخ القرى واتباعهم في الغالب في واحدة من طائفتين، اليمنية ورأيتها بيضاء والقيسية ورايتها حمراء، وهذا من بقايا التقاليد البدوية التي تنسب القيسية إلى بني عدنان واليمنية إلى بني قحطان.. وشاع ذلك حيث استقرت القبائل البدوية مثلاً في جبل لبنان وفي قرى غوطة دمشق وبعض أحياء مدينة دمشق خارج السور.

    وليس هناك من اعتبار للدين أو المذهب الواحد في عداد الطائفتين المتخاصمتين هاتين.. وكان زعماء اليمنية في فلسطين في القرن التاسع عشر من أسرة أبو غوش المتمركزين في قرية العنب "قرية أبو غوش"  في لواء القدس، وتحكّموا في الطريق الرئيس بين القدس ويافا.. أما زعماء القيسية فكانوا من أفراد أسرة العزة في تلال الخليل، وأسرة ابن سمحان في تل الصافي, وأسرة درويش في قرية المالحة.

    وعلى مستوى المدن فقد تمثلت زعامة القيسية في القدس في أسرة الخالدي، بينما تمثلت زعامة اليمنية في أسرة الحسيني.

    وفي بعض المناطق ينتسب معظم سكانها إلى طائفة القيسية أو اليمنية, مثال ذلك منطقة الخليل حيث الأغلبية قيسية، وكذلك بيت جالا وعين كارم, في حين أن أكثرية سكان بيت لحم وصوبا يمنية، ومع ذلك يوجد في عدد من القرى أتباع لكل من الطائفتين.. ويروى عن قتال جرى في قرية البيرة بين القيسية واليمنية كيف أن كل فريق حاول أن يسيء إلى علم الآخر، واشتركت النساء في ذلك.

    وقد اشتهرت في مناطق فلسطين وبخاصة جبال الخليل والقدس ونابلس, في الثلثين الأوليين من القرن التاسع عشر عدة أسر كانت لها الزعامة في مناطقها، واضطرت السلطات الحاكمة إلى أن تتعامل معها وتحكم البلاد من خلالها.

    وقد اعترف إبراهيم باشا ببسالة هذه القوى المحلية التي قاتلته, واستمر تسلطها بعد عودة العثمانيين, إلى أن عين على القدس مصطفى باشا ثريا في العام 1857م، فتمكن من القضاء على نفوذ عدد كبير من هذه الأسر في الفترة بين عامي 1858م – 1861م.

    واستمر العثمانيون من بعد ذلك في محاولة إخضاع الزعماء المحليين لسلطتهم، وقد سيطر في كل مقاطعة من مقاطعات جبل الخليل الأربع منذ أيام المصريين في الأماكن والقرى التابعة لكل منها كل من الأسر التالية.. وكانوا جميعاً من القيسيين:

1-   مقاطعة اللحام – نسبة إلى بيت اللحام حيث فرضوا نفوذهم على الأماكن الواقعة إلى الشمال الغربي من مدينة الخليل – وكانت تضم 15 قرية.

2-   مقاطعة بيت عيسى عمرو – وتعرف بالقيسية الفوقا.. وكان يتزعمها الشيخ عبد الرحمن عيسى ومركزه الرئيسي قرية دوراً، وكانت تخضع له معظم القرى الواقعة حولها، وعددها (15) قرية أيضاً.

3-   مقاطعة بيت العزة – وتعرف مع مقاطعة بيت العملة بالقيسية التحتا، وجميع قراها واقعة إلى الغرب من مدينة الخليل، وكانت تضم عشر قوى.

4-      مقاطعة بيت العملة.. واشتهر من هذه الأسرة عبد النبي العملة، وكانت تضم سبع قرى، وهذه المقاطعة تعتبر أصغر من المقاطعات السابقة.

    وإلى جانب منطقة الخليل وجبالها اشتهرت منطقة القدس وجبالها بالقوى المحلية فيها، وقد برز فيها بنو حسن، واشتهر من زعمائهم الشيخ علي محمد والشيخ محمد درويش، وكان مركزهم الرئيس قرية الولجة، وقد سيطروا على حوالي عشر قرى، منها المالحة وعين كارم وبيت جالا والخضر وصوبا.

    وبرز في هذه المنطقة كذلك بنو مالك.. وكانت منطقة نفوذهم إلى الشمال الغربي من منطقة بني حسن، وأبرز بيوتهم بيت أبو غوش الذين أشتهر منهم الحاج مصطفى أبو غوش، ومركزه الرئيس قرية العنب، وقد سيطرت هذه الأسرة على حوالي عشرين قرية منها بيت عنان ولفتا ويالو وبيت لقيا وخربتا وبيت عور الفوقا وبيت عور التحتا.

    وإلى الشرق من القدس في منطقة الوادية اشتهر بيت عريقات، وأبرز زعمائهم الشيخ محمد عريقات، ومركزهم الرئيس قرية أبو ديس – وقد سيطروا على ثمان قرى منها الطور وسلوان وبيت ساحور وعلى مركز بدوي هو سواحرة الواد.

    وفي جبل القدس الذي يضم مدينة القدس اشتهرت أربعة بيوت في أربع مناطق هي: بيت عبد اللطيف سمحان الكسواني ومركزهم قرية بيت إكسا, وبيت أحمد علي ومركزهم قرية دير دبوان , وبيت حسن عبد الله ومركزهم قرية بيت عنبا , وبيت عمر الشماع ومركزهم قرية البيرة.

    وقسمت منطقة بني الحارث إلى الشمال من القدس إلى قسمين: بنو حارث الشمالية، وبنو حارث الجنوبية. 

    وإلى جانب منطقة بني حارث الشمالية تقع منطقة بني مرة، وكان زعيم هؤلاء حتى الحكم المصري الشيخ أحمد أبو عبد الله من قرية المزرعة الشرقية، وإلى الشرق من بني مرة تقع منطقة سليم، وأبرز زعمائها الشيخ ديكه من قرية كفر مالك، والشيخ عبد الحق من قرية دير جرير، ومن القرى الخاضعة لها طيبة ورمان.

    وإلى الشمال من بني حارث الشمالية سيطر بنو زيد، وكان مشايخ هذه المنطقة في الأصل من آل البرغوثي، ومركزهم الرئيس قرية دير غسانة.  

    أما منطقة نابلس وجبالها فظهرت فيها المناطق والأقسام والزعامات التالية:

1-   منطقة جماعين – جنوبي نابلس، وتقسم إلى قسمين أحدهما تحت سلطة بيت قاسم الأحمد ومقرهم قرية دير إستيا.. والقسم الأخر تحت سلطة بيت الريان ومقرهم قرية مجدل.

2-      منطقة بني صعب: إلى الشمال من جماعين، ويحكمها بيت الجيوسي، وزعيمهم الشيخ يوسف واكد يوسف من قرية كفر صور.

3-      منطقة وادي الشعير: شمال نابلس، وقد سيطر فيها بيت الحفة وبيت سيف.

4-      منطقة الشعراوية الغربية: شمالي وادي الشعير، وتزعم فيها بيت جرار وبيت عبد الهادي.

5-      منطقة الشعراوية الشرقية: يحكمها كذلك بيت جرار وآل عبد الهادي، واشتملت على ثماني وخمسين قرية.

6-       مشاريق نابلس – الأسرة الحاكمة فيها بيت دويكات ومقرها الرئيس قرية بيتا.

7-       مشاريق دار الحاج محمد – الأسرة الحاكمة فيها دار الشيخ ناصر منصور ومركزها قرية جالود.

8-       مدينة نابلس – الأسرة المتزعمة فيها آل طوقان، واشتهر كذلك فيها آل النمر.

 

    وبالرغم من انقسام منطقة نابلس وجبالها سياسياً إلى الأقسام الثمانية، فإنها في أوقات النزاع بين أسرها كانت تُستقطب من حول الحزبين الرئيسيين القيسية واليمنية، وزعماء القيسية من بين هذه الأسر هم الشيخ موسى بك طوقان والشيخ محمد الجرار والشيخ الحاج محمد والشيخ صادق الريان.

   أما زعماء اليمنية فهم الشيخ حسين بك عبد الهادي وقاسم الأحمد والشيخ نمر آغا ودار الجيوسي .   

   وإلى جانب هؤلاء الزعماء من مشايخ القرى في المناطق الجبلية الوسطى فقد برز البدو كقوة محلية في فلسطين،  وقد ذكر في العام 1877م أن قبيلة بني صخر تحتل المنطقة بين بيسان وطبريا، وإن جمالها ترعى في مرج ابن عامر.

    والمنطقة الرئيسة في فلسطين التي وجد فيها البدو بأعداد كبيرة وسلطة قوية، هي تلك الممتدة في جنوب فلسطين بين غزة وبئر السبع والنقب بمحاذاة سيناء، واشتهر فيها من القبائل العزازمة والتياهة والترابين والسواركة والقديرات والجبارات.

    وعلى نطاق أضيق مما في منطقة غزة، برز البدو في منطقة شرق القدس، ومن أبرز القبائل فيها قبيلة التعامرة التي امتدت منطقة نفوذها بين بيت لحم والبحر الميت.

    كما ظهر في منطقة شرق القدس بدو الرشيد وابن عبيد والصويرة والحطيمات، وعلى غرار الفلاحين ومشايخهم، انقسم البدو وأمراؤهم إلى قيسية ويمنية.. وكان شيخ قيسية بدو جنوبي فلسطين الأمير حسن الوحيدي الملقب بالدائمي، وقد تبعته من القبائل القيسية: الجبارات والقلازين والسواركة والعمارين.

    وبالمقابل كان شيخ اليمنية من البدو الأمير عايش الوحيدي، وتبعه من القبائل اليمنية التياهة والترابين والحويطات.

    وفي الربع الأول من القرن العشرين، انتقلت زعامة القيسية واليمنية إلى أسر أخرى.. فقد ذُكر آنذاك أن من أبرز زعماء اليمنية حماد الصوفي وتشمل زعامته القبائل التالية:

    في منطقة غزة: التياهة والترابين والعزازمة والحناجرة والوحيدات.

    في منطقة الغور: العدوان، وفي الكرك: المجالي.

    أما مشايخ القيسية فهم من بني صخر، وتشمل زعامتهم الشرارت في شرقي البلقاء، وبني عطية في جنوب الكرك، وبني حميدة بين الكرك والبلقاء.

    وقد ظهرت زعامة بدوية واحدة ذات صفة عسكرية ولفترة مؤقتة في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر في منطقة الجليل الأدنى، وكانت تلك زعامة عقيل من قبيلة الهنادي المصري الأصل، ولم تشهد تلك المنطقة منذ وفاة عقيل آغا عام 1870م أية زعامة محلية بدوية أو فلاحية خاصة بعد أن نجحت الحكومة العثمانية في نفس العام في فرض هيمنتها على معظم مناطق فلسطين."3"

    ولم تحاول الحكومة العثمانية أن تستأصل العصبية القبائلية، بل كانت تشجعها في بعض الأحايين، ولعلها وجدتها الوسيلة الناجعة لإضعاف القبائل البدوية.. وبذلك يتسنى لها القبض على زمام الأمور في البلاد نهائياً، فنجم عن هذه السياسة اصطدام العدوان وبني صخر بمعركة حامية الوطيس في عام 1881م سقط فيها عدد غير قليل من القتلى.. لكن هذه السياسة وإن أفادت الحكومة فقد أضرت البلاد ضرراً فادحاً، فخرّبت الطرق وأصبح من المتعذرالنقل عليها، وانحطت التجارة والزراعة معاً، لأن الفلاح أخذ يقتصر في زراعته على احتياجاته فقط دون النظر إلى غيره من البلدان الأخرى.

    وما أن حل عام 1882م حتى تمكنت الحكومة في السلطة من تحصيل الضرائب من القبائل البدوية الضاربة في الجنوب إلى تخوم الكرك."4"

    ومن حيث الصراع بين الحزبين الكبيرين "قيس ويمن" في قرى ومدن فلسطين فقد وقف العثمانيون موقف اللامبالي أيضاً من صراعات هذين الحزبين.. وأيدوا هذا الفريق أو ذاك حسب مصلحتهم التي كان أولويتها جمع الضرائب, وتحقيق الأمن عن طريق ضرب فريق بأخر لإضعافهما.

    ومع ذلك فإن الدولة العثمانية في فترة التنظيمات, استعادت سيطرتها وأخضعت هذه القرى والأسر إلى درجة كبيرة، وأدخلتها ضمن إدارتها."5"

 

 

********

زعمــــاء جبـــل القـــدس

 لمحـــــة تاريخيـــــــة

   في جبل القدس أُعتبر آل الخالدي قيسيين وأُعتبر آل الحسيني يمنيين، وذلك للاستفادة من الإنحيازات الحزبية كما أسلفنا.

    وفي المنطقة الجبلية حول القدس، كان الأمر يتعلق بتعزيز المراكز المحلية الضيقة لا "بحكومة" الجبل أو مدينته المركزية، ولذلك كان من الضروري أن يعول بازدياد على ثنائية قيس ويمن لتقام الأحلاف ويُعبأ الفلاحون."6 "

    لقد لعب التحزب بين قيس ويمن في جبل القدس دوراً أقوى من الدور الذي لعبه في جبل نابلس، وكان زعماء اليمنية هم عائلة "أبو غوش" بنو مالك, الذي شمل نفوذهم أيضاً مناطق بني حماد والوادية بما فيها بيت لحم وجزءاً من بني حسن، وكذلك ذلك الجزء من منطقة جبل القدس الذي كان سكانه من اليمنيين.

    وكان يقود القيسيين في شمال الجبل المحيط بالقدس "آل سمحان" بنو حارث, والبراغثة "بنو زيد" وكذلك قسم من سكان رام الله والبيرة.

    وفي الجنوب "آل اللحام" العرقوب, وجزء من منطقة بني حسن، ومنه سكان بيت جالا، وكثيراً ما كان هؤلاء يتلقون المساعدة من شيوخ القيسية في شمال جبل الخليل.

    وكان النزاع الرئيسي في الخمسينات يتمثل في الخصومة الدائمة بين آل أبو غوش "بني مالك" وآل اللحام "العرقوب" حول السيطرة على منطقة بني حسن.. بيد إنه كانت هناك منازعات أيضاً بين آل أبو غوش وبين آل سمحان "بني الحارث".

    وكان شيخ أبو غوش هو المعمر أحمد عبد الرحمن.. بيد أن القائد السياسي العسكري كان ابن أخيه مصطفى, وهو "شخص ذو خضوع طاغ".

    وفي صيف 1853م وخريفها زادت الصراعات "بمشاركة البدو" وكان مثار النزاع الرئيسي هو قرية عين كارم بسبب السيطرة على الفرانسيسكان القائم هناك."7 "                                                             

    وكان زعماء بني مالك "آل أبو غوش"، وكرسيهم قرية العنب.. وأصلهم من الشركس، ويقال أنهم جاءوا إلى البلاد مع السلطان سليم ونزلوا غربي القدس.

    وبعد أن بسطوا سلطتهم على قرية العنب على طريق يافا – القدس أصبحوا في وضع جيد يتيح لهم أن يفرضوا أتاوة "خاوه" مقابل حماية الحجاج الذين كانوا يصعدون إلى القدس.. كما كان المسافرون الأوربيون والأثرياء يعطونهم الهدايا, في حين كانت أديرة القدس تحصل على حق المرور الحر للحجاج الأقل يساراً بدفع الأموال لهم بانتظام.

    وتبعاً لما يقوله البرغوثي "في كتاب دروزه" شمل نفوذهم أيضاً مناطق بني حسن وجبل القدس والوادية التي كان شيوخهم تابعين لهم.

    وتتميز قرية العنب ببيوتها الحجرية المنيعة وبقايا كنيسة صليبية مصونة صوناً جيداً استعلمت كاسطبل، ويبدو أنه كان الأسطبل الخاص لخيول أبو غوش.. لكن ما يشد العين هو البرج مقر العائلة، "قصر حقيقي كأنه حصن دفاعي".

    وإذ أصبح في هذه الأثناء جد من أجداد عائلة أبو غوش.. تولى قيادة اليمنيين زمن أبو نبوت حاكم يافا (1807- 1818م) ولياً من الأولياء عند السكان المحليين.. غدا آل أبو غوش وكرسيهم منذ الستينات من الأماكن الجديرة بالزيارة عند الحجاج والمسافرين الأوربيين والأمريكيين، فعلى الطريق إلى القدس كان المسافرون يجعلون الأدلاء يقصون عليهم تاريخ أعمالهم المرعبة، ثم يستمعون بعدئذ إلى الترانيم وهي تدوي في كنيسة الصليبيين التي تملكها فرنسا بقرية العنب.

    وكانت تُردّد في روايات الرحالة على الدوام، وفي المكان ذاته الإشارة التي لا بد منها إلى آل أبو غوش.

    ولما لم تعد العين تقع على هذه الأشكال الجسورة، فقد كانوا يصفون على الأقل "المساكن الحجرية الكئيبة لعائلة أبو غوش المرعبة"، ثم ينتهي بهم المطاف إلى أقوال مثل "لم أرَ في حياتي دوراً فيها سيماء الشر مثل بيوتهم الكالحة". "8" 

    وطبقاً لما يقوله "ماكالستر وماسترمان" كان يتبع منطقة بني مالك زهاء عشرين قرية .. أما الـ swp فذكر فيها 22موقعاً.

    ومنطقة القدس ضمت 21 موقعاً، وكانت تنقسم إلى أربعة أقضية، وكان شيوخها "حسب المصدر الذي أورده ماكالستر وماسترمان" هم عبد اللطيف سمحان الكسواني في بيت أكسا, وأحمد علي في دير دبوان, وعبد الله حسن في بيتونيا, وعمر الشماع في البيرة."9"

    وفي الموسوعة الفلسطينية – المجلد الثاني ص 934 يذكر ان لبني مالك عام 1871م ثلاث وعشرين قرية في بيت المقدس و 1075 أسرة. "10"

 أما البرغوثي فيذكر من ناحية أخرى عائلات الشيوخ التالية :

 آل الخطيب في بيت إكسا, وآل الحشاش في دير دبوان, وآل عبد الله الحسن وآل البيتوني في بيتونيا, وآل القرعان وآل الطويل في البيرة.

    وكان شيوخ منطقة الوادية هم آل عريقات في أبو ديس، وأصلهم من البدو، وقد جاءوا من الجانب الآخر للأردن. "11"

    وفي القرن التاسع عشر تفاقم الخطب وتنازع الحزبان "قيس ويمن" فما كان أحد يجرؤ على المرور ببلاد الآخر معلناً شعار قومه، فكان إذا خطب اليمنية عروساً قيسية لا يذهبون إلى جلبها إلا بفاردة, "جمع كبير مسلح".. ولا يجوز لهم أن يرفعوا أعلاماً بيضاء أو يُلبسون العروس حلة بيضاء "شعار اليمنيين" حتى لو أنهم أخذوا عروساً يمنية من بلاد يمنية، فلا يسمح لهم أن تجتاز البلاد القيسية وهي لابسة البياض.. وان امتنع أصحاب العرس عن ذلك تُعلن الحرب ويستطير الشر.. وكذلك القيسيين فإنهم كانوا مجبرين على اتباع هذا العرف."12"

    وفي أواسط القرن التاسع عشر تفاقمت الأزمة بين الحزبين، مما أدى للنزاع المسلح بينهم، فوقعت بينهم معركة الوسطية, "قرية قضاء رام الله" عام 1250هـ - 1846م، ودار صراع مسلح طويل بينهم "قيس ويمن" كانت نتائجه أن التحقت القبائل اليمنية إلى مكان حمايتهم في جبل القدس.. حيث كان آل أبو غوش " بني مالك" الذين كانوا يبسطون سيطرتهم على تلك المنطقة، والتحق القيسيون بجبل الخليل، ومنهم من رحل إلى شمال رام الله، وتفرقت الحمائل والأسر في تلك الفترة، وتبعثروا في القرى الفلسطينية، كما رحلت عائلات كثيرة منهم إلى شرق الأردن."13"

    وقد أقامت القبائل اليمنية تحت سلطة أبو غوش وحمايتهم.. فإذا اختلف اثنان منهم كانا يتقاضيان عند الشيخ (العدليه)، ويقبلون حكمه لا محاله.. ومن خالف عادات البلاد، أو أخل بتقاليدهم كان يُسجن في سجنهم.

    وكان الشيخ يجني الضرائب ويقدم المقطوع عليه للوالي ويأخذ الزيادة.. والشيخ يحكم مقاطعته كما يحكم الأمير إيالته.. وكثيراً ما كانوا يستبدون بالفلاحين، مما أدى إلى انتشار الفوضى واختلال الأمن في كثير من الأوقات."14"

    وفي نهاية القرن التاسع عشر بدت الحزبية وإلى حد كبير جزءاً من التراث الشعبي "الفولكلور" وقد هان شأنها بحيث غدت عادات وأعرافاً متوارثة "لا معنى لها" من جهة وظيفية، تشبه تلك التي يتمسك بها المرء بدافع من الوعي بالتقاليد.. ربما لأنها كانت تُشرك الألعاب والألوان في نشاطات الحياة اليومية الرتيبة، ومفهوم "اللون" هنا ينبغي أن يفهم بمعناه الحرفي.

    فالأحمر كان شعار "قيس", والأبيض كان شعار "يمن".. ففي الحروب وفي مواكب الأعراس والملابس، الخ.. كانت تُحمل الأعلام بألوانها الملائمة، وعلى سبيل المثال كانت العمامة القيسية "الأصيلة" مقلمة باللونين الأحمر الغامق والأصفر، والعمامة اليمنية باللونين الأبيض والوردي.

    وقد تناهت إلينا اختلافات محلية متنوعة في عادات العرس بين اليمنيين والقيسيين (أو بالعكس) فإذا تزوجت مثلاً (قيسية من يمني من قرية أخرى) فإنها كانت تُلف في قريتها بثوب ظاهرة أحمر، وتُساق على جمل.. وحالما تدخل حدود بلدها المقبل، كان العريس الذي ينتظرها هناك يترك لأهله أن يقوموا بخلع الثوب باستعمال القوة ظاهرياً، ثم يقلبه على الوجه الآخر حتى يبدو اللون الأبيض الذي بداخله، "أو كان يعطيها ثوباً أبيض".

    وإذا حل يمني ضيفاً على قيسي، وقُدمت له "الهيطلية" مثلاً "وهي أكلة شعبية اشتهرت في فلسطين"، فإن القيسي كان يصب العسل أو الدبس عليها لكي يغطي اللون الأبيض اليمني.

    ولم يعد الأمر مجرد "فولكلور" عندما كانت النساء اليمنيات يعمدن في خصومة، فكانت تثور ثائرة الحزبين، ومن الأمثلة على ذلك.. كأن تقوم بعض النساء اليمنيات بضرب ديك أحمر على مرأى من النساء القيسيات, فيعمدن الأخيرات بإمساك ديك أبيض ويضربنه بدورهن رمزاً للتحقير والإهانة المتبادلة."15"

******

المراجـــع 

1-      البرغوثي وطوطح – عدنان وقحطان – ص 263 – 268 .

2-      الكزاندر شولش – تحولات جذرية في فلسطين 1856 – 1882م – ص 227.

دراسات حول التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي – نقله عن الألمانية د. كامل جميل العسلي 1988م .

3-      الموسوعة الفلسطينية – م2 – القسم الثاني – عبد الكريم رافق – ص 895 – 904 .

4-      فردريك ج بيك – تاريخ شرق الأردن وقبائله – ترجمة بهاء الدين طوقان – ص 182 .

5-      الموسوعة الفلسطينية – المجلد الثاني – القسم الثاني – ص 901 .

6-      تحولات جذرية في فلسطين في القرن التاسع عشر – ص 232

7-      تحولات جذرية في فلسطين في القرن التاسع عشر – ص 568

8-      تحولات جذرية في فلسطين في القرن التاسع عشر – ص 272

9-      ماكالستر وماسترمان .

10-  الموسوعة الفلسطينية – مصدر سابق – ص 934 .

11-  تحولات جذرية في فلسطين في القرن التاسع عشر – ص 224 .

12-  عمر الصالح البرغوثي وخليل طوافح – القدس 1923م – تاريخ فلسطين – ص 266 – 268 .

13-  الموسوعة الفلسطينية – المجلد الثاني – معركة الوسطية بين قيس ويمن – ص 861 .

14-  عمر الصالح البرغوثي وخليل طوافح – القدس 1923م – تاريخ فلسطين – ص 237 .

15-  تحولات جذرية في فلسطين 1856 – 1882م في القرن التاسع عشر – 228 – 229 .

 

*****************

 

 

 

 

العودة لقائمة أبواب كتاب صوبا
  حقوق الطبع ©2017 صوبـــا. جميع الحقوق محفوظه
زوار الموقع : 332060
  تصميم و تطوير