الخريف واغتيال أحلام / رواية

   

      

 

تحميل الرواية 

 

جريدة المهجر – ألولايات المتحدة - العدد 45- السنة الرابعة 2/3/1997م – ص 10

ابراهيم عوض الله الفقيه في روايته الجديدة (الخريف واغتيال أحلام)

عرض وتحليل صالح شبانة السنجلاوي

* الكاتب الروائي ابراهيم عوض الله  في روايته (الخريف واغتيال أحلام) بدا لي مثل فني المختبر الذي يبحث عن المايكروبات تحت عدسة المجهر، فهو قد رصد رحلة المعاناة، رحل القتل والموت والإبادة للشعب الفلسطيني في أرض الوطن وفي كل المنافي الاختيارية (إن وجدت) والقسرية (وما أكثرها).

* كانت أول أغنية من أغنيات الثورة هي (الثورة إيمان، الثورة عنوان)، والمؤلف بعمله الابداعي هذا يكشف لماذا تزلزل الايمان، ولماذا سقط العنوان!!.

* لا يمكن أن أتكلم عن رواية عوض الله دون أن أغوص في ذكرياتي وتجربتي، فهي جزء من النسيج الفلسطيني وجزء من الحياة، والثورة الفلسطينية جزء من المسيرة حتى وإن انتهت إلى بالوعة اسمها (أوسلو).

* برأيي أن الثورة الفلسطينية لو نجحت لوصلنا إلى التحرير بالبندقية، وما دمنا لم نصل، فقد فشلنا بغض النظر إن كنا أسباب هذا الفشل أم لم نكن.

* ماذا لو حملت الاسلام الذي أدين به ويدين به الشعب العربي بغالبيه العظمى وذهبت لأجعله مادة الثورة في بوليفيا مثلاً!!، كم نسبة النجاح التي سأحققها؟.

* أقول هي نسبة النجاح التي حققتها الثورة الفلسطينية بأفكارها المستوردة!!، بأشخاصها الذين تمثلوا ب "ماركس" و "انجلز" و "هوشي منه" و "تشي غيفارا" و "فيدل كاسترو" و "فلاديمير لينين" وغيرهم.

* أول عمل وطني قامت به الثورة في عمان هو احتفالها الأسطوري بميلاد "لينين"، وكنا صغاراً بالسن، وتساءلنا من هو لينين؟، فقيل لنا قائد ثورة اكتوبر البلشفية!!، وكنا وقتها لا نعرف البلشفية، فكيف نعرف قائدا؟!.

* لأول مرة في العمل الثوري تكون (مسبة الدين) أو (مسبة الرب) هي سر الليل بين الثوار الأبطال ذوي الفكر المستورد!!، أما أن تكون القواعد والمكاتب (بارات وبيوت دعارة) فهذي أمور قد نكون نألفها!.

* لذلك فقدت الثورة مكانها في أوائل عهدها، وانزلقت رجلها، وكان من الضروري أن نصل ليس لأوسلو فقط ولكن إلى أسوأ.

* لم أتطرق إلى السجون  والجان والقضاة والمحكمين وأحكام الاعدام وغيرها حيث نصب الثوار أنفسهم حتى قضاة شرعيين، فذلك ما أسهب في ذكره المؤلف في روايته الرائعة (الخريف واغتيال أحلام).

* شريف، شاب يعاني من عقد نفسية كثيرة، أولها عقدة الدراسة، فهو يرغب بالأدب ووالده يدفعه إلى الطب في جامعة بيروت مدينة الموت والدم والنار والبارود.. يلتقي بأحلام في حافلة ويدفع عنها الأجرة وينزل ليمشي على قدميه لأنه لا يملك ثمن التذكرة.

* موقف شهم!!، أليس كذلك؟، لكنه يغتصب أحلام أو تغتصبه في أول لقاء، وبعد أن فقدت عذريتها وحملت في أحشائها من نطفته تخلى عنها، ولم يوافق على الزواج منها إلا بعد حين، ويكون زواجاً غريباً، يتقلب بين الحب واللاحب، بين النفور والرغبة، حتى يفقد كل حواسه – أقصد شريف – يعجز جنسياً ومادياً، وينفس كل ساديته بأحلام، فيلتقيان ويفترقان وتضيعهما الدنيا وتجمعهما.. إنها ظروف عجيبة جداً لا يمكن إلا أن تكون في زمن الموت والدمار، في زمن الحرب والقتل على الهوية.

* يبدأ الاجرام بقتل ششقيقه، وتربو عنده عقدة الذنب والألم حتى تتعاظم.

* يجهض أحلام رغماً عنها، أو بحيلة ما، ربما ذلك يرمز كأول إجهاض للثورة ربما في الأردن 1970 أو في مكان آخر.

* دائماً يتهمها بالخيانة، قبل وبعد عجزه الجنسي، ومع ذلك يعيشان معاً، فهو يحبها ويعتبرها ملجأه الأخير، وهي تحبه وتعتبره آخر متراس في حياتها تختبئ وراءه.

* منظر الموت والدم والجثث المتناثرة واللحم المحترق والعظام التي يمكن أن يطبخ المرء عليها طعامه بدل الحطب من المناظر العادية والدائمة.

* كان يحاول أن يكون أديباً لا طبيباً، ولكن كان مقاتلاً يدافع عن المخيم، لأن بقاءهم من بقاء المخيم، ولكن المخيم يتعرض إلى زلزال وحشي، وبعد 82 يوماً من الصمود تسقط المقاومة وتحمل السفن المقاتلين إلى منافي أخرى.

* تبحث أحلام عن شريف فلا تجده، ويستقر به المقام في منفى جديد لعله في تونس أو اليمن، فكلاهما من أبعد المواقع عن فلسطين وبالتالي استحالة امكانية النضال.

* يتوج عمله النضالي بأن يكون "حارساً" لشخصية قيادية ويتزوج وينجب ولدان من مريم/ ويتمزق بين أحلام ومريم.

* أحلام كانت قد أجهضت للمرة الثانية قبل الخروج وبعدها ولم يعد لها امكانية الحمل من جديد، وربا إجهاض الثورة فيما بعد بيروت هو إجهاض أحلام الأخير.

* بعد أوسلو تقرر أن يعود شريف ومريم إلى الوطن، أي جزء من الوطن كبداية لنهاية المنافي بغض النظر النتائج المرجوه.

* وفي أثناء العودة تتعرض القافلة لغارات جوية  فتموت مريم ويموت الطفلان ويرجع شريف كما بدأ، إلا أنه يفقد إحدى ساقيه  لتتعاظم المصيبة.

* في الوطن لعل أريحا أو غزة هي المدينة، لا يهم، يلتقي صدفة بأحلام وهي ممرضة وهو مصاب، وتقرر أن تكون ممرضته أو تعود زوجته، فهي لا زالت على ذمته، وبالفعل بعد أن تذكره بكل لحظة عذاب سببها لها يعودان إلى البيت.

* في هذه المرة تستغل أحلام ضعفه لترد له "الصاع صاعين" حتى تصبح حياته معها كابوس من الخوف والرعب لا ينتهي.

* فجأة يدخل في حياتهما صحفي اسمه رياض وزوجته غادة، يلتقون في ظروف غير طبيعية، يهيم رياض بأحلام وتصده، ولا يكف ريف عن اتهامها بالخيانة والدعارة.

* غادة غير قادرة على الإنجاب، ويتظاهر رياض بعدم حبه للأطفال حفاظاً على شعورها ولا يكف رياض عن إعطائها الحبوب المنومة والمسكنة ليذهب إلى بيت شريف وأحلام بحجة أن عند شريف قصة، قصة حياته تستحق.. ويدفع شريف رياض ليرقص مع زوجته، ويجالس هو زوجة رياض، يشربان نخب النصر ثم لا يلبث  أن يشن هجوم على الفندق  بحجة اغتيال الرئيس، فيقلب الفرح إلى هرج وصخب ويقع من يقع "شهيداً"، ويأخذ شريف أحلام وغادة إلى بيته.

* بعد أن انقطع كل شيء وصار الموت مطلباً يطلق شريف النار على أحلام فيقتلها ثم ينتحر.. وتنتهي الرواية إلى هذا الحد.

* شخصية شريف شخصية معقدة جداً، ولكن الكاتب بأسلوبه السلس ولغته القوية صاغ منها شخصية أدبية خالدة تغني عن كتاب تاريخ بأكمله، وهي تمثل إلى حد بعيد الشخصية الفلسطينية الممزقة بين الوطن والمنفى، بين السجن والحرية، بين الحياة والموت.

* الكاتب اعتمد أسلوب نجيب محفوظ في روايته "المرايا" حيث كان شريف يتحدث مرة، وكانت أحلام تتحدث مرة أخرى، ويتبادلان الحديث حتى إلى دور رياض مع أني لا أدري بالضبط لماذا أقحم المؤلف رياض وغادة في آخر مقاطع الرواية.

* الخريف واغتيال أحلام رواية رائعة، رغم هذا النوع من الشخصيات المعقدة الذي "كقارئ" لا أميل إليه كثيراً، تحكي قصة الضياع ويضع المؤلف أصابعه أو يوجه عدسة مجهره على كل الأسباب وفوق كل الميكروبات ليساعد الطبيب مساعدة فعالة في كشف المرض.

* ولكن الأطباء أو قادة الثورة جميعهم يبحثون عن مكاسب فردية وزعامة وهمية، ويتجاهلون الأسباب الحقيقية من وجودنا ومبرر الثورة، ويستوي كأس الخمر وابريق الوضوء، ودخول بيت الدعارة والمسجد عندهم، لذلك سقطنا في المستنقع ولا سبيل للخروج.

* هل اغتيال أحلام وانتحار شريف هو نهاية للثورة، أم الأسباب التي أوصلت الأمة إلى أوسلو وغيرها.

* ربما لأن فلسطين وقضيتها هي اسلامية فلسطينية عربية، والنصر والتحرير لا يكونان إلا بهذا الترتيب، وخصوصاً بعد فشل النظريات المستوردة التي فشلت في مواطنها.. نحن بحاجة إلى اليد المتوضئة التي تحمل السلاح، أما اليد الوسخة والفرج الدنس والفكر الغريب فلها بالطبع أماكن.. ولكن ليس في صفوف الثورة.. ربما كان هذا بعض ما أراد ابراهيم نافع عوض الله الفقيه أن يقوله.. فمن يعلم!!، على حال فهذه الرواية تحمل عبقاً من رواية عبد الرحمن منيف (الأشجار واغتيال مرزوق).

  

الهم الفلسطيني في روايتي " الهذيان، والخريف واغتيال أحلام "

للروائي ابراهيم عوض الله

فوزي الخطبا – كتاب "أدباء عرب" – دراسات في الأدب العربي الحديث- 1999- دار الينابيع - عمان

    تكشف روايات ابراهيم عوض الله  الفقيه الهم العربي عامة والهم الفلسطيني بصورة خاصة، وابطال اعماله الروائية صورة واقعية تنبض بهذا الهم المسكون به.. فهناك ضوء في هذه الشخصية الانسانية (الفلسطينية) التي تحاول ان تجد لها مكانا على وجه الأرض، فاعماله الروائية تحمل الحقيقة والمواجهة بجرأة دون تزييف أو مبالغة وتميل الى المكاشفة، مما اتاح له أن يرصد المقاومة في مراحلها التاريخية، الأردن، بيروت، المنفى، الوطن المحتل، العودة.

   فقد رسم المؤلف ملامح شخصية المناضل بدقة، فكشف عن المسكوت عنه سواء على صعيد العامل النفسي أو الإنساني أو الفكري، وقد تأثرت كتاباته بأحداث ومجريات الأمة التي تنتقل من هزيمة الى أخرى – فحاول ان يرصدها في كتابته عبر رواياته الأربع وهي "الهذيان"، و "ما زال للصبار روحا"، و "الصمت المعبر"، و "الخريف واغتيال أحلام"، ومجموعة قصصية "القربان".

   وسنقف في هذه الدراسة عند روايتيه الأولى "الهذيان" والأخيرة "الخريف واغتيال أحلام"، حتى نكشف مدى التطور الذي حققه في عالمه الروائي، ومدى ضبط إيقاعها الروائي مع جدلية القضايا التي عالجها ومدى حيوية أسلوبه ولغته.

 

رواية "الخريف واغتيال احلام"

    صدرت رواية "الخريف واغتيال احلام"، عام 1996م، وإذا كان عادل بطل رواية الهذيان قد ناضل في سبيل قضيته، وأستشهد وهو يقاتل الأعداء.. فإن شريف بطل رواية "الخريف واغتيال احلام" قد يئس من الحياة بعد أن تحول الحلم الذي كان يقاتل من اجله الى خيبة وانتكاس ومساومة، مما دفعه الى اليأس والانتحار.

    رفاق ثلاثة ساقهم قدرهم في ليلة مظلمة ليقيموا متراساً على ظهر بناية في قلب بيروت، ويقطعوا الشارع من المارة والسيارات وكل شيء يتحرك.. شريف بينهم يحلم بالدراسة والخيبة التي أصابته، فجأة أبصروا سيارة تقترب، أحدهم أطلق النار فأصاب السائق، توقفت السيارة ونزل منها اثنان واختبئا تحت ظلالها.. أطلق الرفيق الآخر النار فأصاب أحدهما، وبقي الثالث لشريف، أزت رصاصة من بعيد واخترقت احد الرفاق، مما دفع شريف لأطلاق النار بعد تردد، أصاب من الثالث مقتلاً.. وتبين له فيما بعد أنه زميل الدراسة الجامعية محمود الغزاوي هو الذي قتله تلك الليلة، فقرر أن لا يحمل السلاح أبداً.

  "كان المفروض ان نكون ثلاثة، لم يبق من أحد ، رفيقي اصبح قاتلاً محترفاً، انا أصبحت مجرماً، والثالث أصبح صورة على صفحة جريدة ص 13".

    دائماً ذاكرة شريف كانت تفقتد اللحظات السعيدة، ولم تعد تحتفظ الا بلحظات الحزن والقهر، دائماً يأمل ان يصبح كاتباً، وبعض الادباء كانوا يمثلون همة في الحياة.. لكنه كان دائم الطيران أمام طلقات الرصاص والقناصة.

    كان شريف يعاني من اثر نزيف حاد في اعماقه، بعد ان تأجلت امتحانات الجامعة للمرة الأف بسبب الحرب، وصلة اخوه صالح الفقيه ذات ليلة قادماً من عمان ليلتحق بالجامعة هو الآخر، لكنه يلتحق بالمقاتلين في الجنوب ويقتل .. "كان أخي الجندي المجهول – حفروا حفرة كبيرة دفنوا فيها عشرات الشهداء ، ثم وضعوا لوحة رخامية على قبره ولم يكتبوا اسمه، قالوا انه الجندي المجهول"، قال "إذا كان الوطن سيعود بموته، فليمت نصف الشعب الفلسطيني أيضاً، ليمت ثلثاه ويعود الثلث الأخير فقط". ص 22

    في الجنوب كانت الحياة تتأصل وتمتد لأجيال قادمة، كان الشهداء يكتبون التاريخ الحقيقي بدمائهم .. وأخي بينهم يتمرد على الزمن ويتطاول الى السماء، والمأساة تتكرر، الشهداء يتساقطون والفناء يلاحق الشعب المشرد، واسطورة الموت اسطوانة تعزف الحاناً "جنائزية في أرواح المقاتلين، تبعث فيهم الأمل والنور، ويتساقطون الواحد بعد الآخر، وفلسطين صامتة بحزن ولا تعود للشهداء.

    في احد المطاعم يلتقي شريف بغادته الجميلة أحلام، احلام عربية الحياة والموت، مبعدة عن الوطن، من حكايتها يعرف انه هو قاتل اخيها محمود الغزاوي، لكنه لا يجرؤ على البوح لها بسره، وعندما حاول أن يسري عنها قالت  "الموت لا يغص من الجثث، الثورة شربت أنهاراً من الدم لتهضم من تبقوا على وجه الأرض" ص 29.

    تلك الليلة كنت أدم، وطعم التفاح ينعش فمي، حورية وسط جنتي كان جمال العالم الذي لم أعشه يوماً، يتمثل في جسد أنثى واحدة تدعى احلام ص30

    احلام في لحظة ضعف وانهيار، وفي حالة انكسار تتحدث عن نفسها بعد أن حطم شريف احلامها والقى بها على قارعة الطريق وحيدة وسط اتون الحرب الأهلية ص 82 

    بدأت تتذكر بداياتها ..كيف أبعدت عن فلسطين، وكيف وصلت الى بيروت، وكيف كان وقع مقتل اخيها على نفسها، ثم تقلبها في العمل الى ان التقت بشريف فأحبته بإخلاص ووثقت به، لكنه خان الثقة .

   تسارعت الأحداث ... وتواردت الاخبار بأن القوات الغازية اجتازت الحدود اللبنانية لاجتياح مخيمات اللاجئين وتدمير حملة السلاح وسحق المقاومة الفلسطينية، في القتال تردت بيروت الى مدينة أشباح حقيقيين، والناس بدأوا يفرون من الموت الى الموت، يودعون بعضهم في الأزقة وفي الملاجئ وتحت الأنقاض.

    التحقت أحلام في مستشفى تخفف الأم المصابين وتسعف الجرحى، والتحق هو بالثورة يدافع عن المخيمات وعن المشردين.

    في هداة الليل بدأت عملية اقتحام المخيم، نثروه بعثروه قتلوا كل من فيه على قيد الحياة من شيوخ وأطفال ونساء، احرقوه وذبحوا كل حياة فيه.

    اقتحموا مستشفى القدس داخل المخيم، قتلوا عدداً من الأطباء، مثلوا بالجرحى، اغتصبوا الممرضات، مشطوا الممرات وفتشوا كل البيوت المجاورة، اعتقلوا كل الأحياء وجمعوهم في طوابير قرب المدينة الرياضية، ثم احرقوا المستشفى.

    لم ينج احد، كانت مفارز جيش الاحتلال تطوق المخيم، وتوقف المارة، تدقق في هوياتهم ثم تقتلهم.

    رحل شريف الى اليمن، وهناك تزوج من امرأة ثانية، لكنه لم ينس ذكرياته وحبه لاحلامه التي فقدها في الحرب، وكان دوماً يشعر انه السبب في كل عذاباتها.

   اللعنة على الحرب، فيها استبدلوا حليب الأطفال بزجاجات مملؤة بالدم، وأشبعوهم من الموت والدمار. ص 124

    مع ان الفصول أتت ورحلت، الا ان وجه احلام كان لا يزال في ذاكرته، وميضاً يحمل الاف الأسرار ص 127، زوجته التي أنجبت له ولدين لم تستطيع انت تنسيه ذكرياته واحلامه.

   انتهت المفاوضات بعد أن صدى السلاح في الصناديق الحديدية ونسي المقاتلون استعماله، وطلبوا ممن تبقى من حملة السلاح القدامى العودة الى الوطن، وفي طريقه الى الطائرة التي ستقله الى غزة، اندلعت الحرب الأهلية في اليمن بين الشمال والجنوب، سقطت قذيفة على سيارته قتلت زوجته وولديه، وأصيب في ساقه، وعاد الى الوطن مثل مومياء لا حياة فيها.

    "الوطن كان بالنسبة  لي سرير مستشفى، لم اعانق فيه حبيباً، لم اقبل ترابه كما حلمت دوماً، لم أصل في المسجد الاقصى كما تراءى لي، ولم أر فيه زهوراً تتفتح، فرحتي كانت باهته وحزينة. ص 135

    في المستشفى بتروا ساقه، وأبدلوها بساق خشبية، ومع يأسه التقى أحلامه ثانية بعد أن عادت إلى الوطن هي الأخرى.

    في رحلة العودة فقدت الكثير الكثير، الوطن كان صغيراً وكالحاً، فيه فقدت كل احلامي التي بنيتها طوال سنوات الغربة، الوطن أصبح قبراً، وانا كنت فيه الجثة المتعفنة ص 141

    بعد تلك الليلة تعودت ان اكون نصف رجل دائماً ... العلاقة بيننا أصبحت حلقة مفرغة ص 147

    يفر شريف الى بيته بعد الانفجار.. يجد الغادتان نائمتان في سرير واحد وكل منهما تلعن الزمن الذي اوصلها لهذه المأساة.. يتبعه رياض، يجد شريف بانتظاره وفي يده مسدس، كان عالقاً تلك الليلة مع ماضيه البعيد البعيد، كان يحاول ان يخلص ذهنه من اية صورة تدفعه بأفكاره باتجاه الالم الذي يسحقه سحقاً، كان العرق يتصبب من جبينه، اجتاحته ثورة عارمة، اخذ يضرب رأسه بيده الأخرى، بدأ يرتجف يتألم، فجأة اطلق النار على احلامه، ارتجفت في سريرها، ولم تتحرك.. بكى وصرخ، ادخل فوهة المسدس في فمه واطلق النار.

    "الجماهير ملأت الشوارع، عاشت الثورة، الناس يتراكضون، يقتلون بعضهم البعض، السجناء يضربون عن الطعام، الأغنياء يحتفلون، يتآمرون "يموتون بحرية وكرامة"، شريف يموت بحريته هو الأخر، يشد الزناد بإصبعه، تنطلق رصاصة الموت المجنونة، وتتوقف حركته" ص 205 .

 

 أبعـاد

    يعتبر الكاتب مرآة مستقلة لمجريات الحياة، وهو يخلق عن طريق الابداع والتمثيل والنقل، ومن حق أي كاتب ان يعرض ما يراه وما يحس به من المشكلات الإنسانية، والكاتب هنا يعالج معاناة الإنسان العربي الفلسطيني من وجهة نظره، يعالج الإمكانيات الهمة، كما يعالج الصراع العاطفي الخفي في الصور وضروب التداعي، فشريف الإنسان المقهور يمثل الشعب الفلسطيني، واحلام هي الأرض الفلسطينية التي لا تشبع من جثث الشهداء ولا ترتوي من دمائهم، ورياض القادم الغريب يمثل المحتل والغاضب لهذا الوطن، اما فارس فنستشف انه يمثل بريطانيا التي مهدت الطريق امام المحتل ليستبيح عذرية أحلام.

    والكاتب هنا يلح على القارئ ان يقرأ بفكره وعقله لا بعينيه.. فالرمز في رواية " الخريف واغتيال احلام " للروائي ابراهيم نافع عوض الله الفقيه يمنحها لغة حقيقية، فالمكان في الرواية محيط الأمة العربية، والزمان هو زمن الهزائم والقهر والضعف والتشتت الذي أصاب هذه الأمة في هذا القرن، فهذا الرمز معبر وواضح، وهو لا يخل بالرواية من الناحية الفنية.

    والتعبير عن العاطفة في الرواية حاد كالعواطف نفسها، وهي تعبر عن افكار الكاتب والقارئ معاً.

    نتابع الرواية.. ونتحقق.

-  شريف الإنسان اليائس المشرد، الذي اختلطت عليه الأمور، فأخذ يخلط الأمل بالضياع، الهدوء بالتوتر، الأمن بالاغتيالات والسلام بالحرب هو إنسان مقهور فعلاً.. يقول منذ البداية.

-  سفينتي تحطمت والرياح عاصفة جداً، وانا غريق لا اجيد السباحة ص 21 - تدفعه احلام التي تمثل الوطن المغتصب، والذي عاد اليه بعد رحلة العذاب المريرة والكفاح الطويل فيجده باهتاً وناقصاً.

-    الوطن كان بالنسبة لي سرير مستشفى، لم اعانق فيه حبيباً، لم اقبل ترابه كما حلمت دوماً، لم أصل في المسجد الأقصى ولم ار فيه زهوراً تتفتح ، فرحتي كانت باهته وحزينة. ص 135

    شريف يعرف أيضاً حدود وطنيته عندما يلتقي بأرضه.

-  احلام اصبحت حدوداً لوطنيته، انا الصحراء وهي الغيوم، كنت خائفاً أن افقدها ثانية، اشعر انها ملكاً لي لوحدي، قطعة من املاكي الخاصة، جوهرة ثمينة أو ماسة في خزانة حديدية لا يمكن التفريط بها أو الاستغناء عنها، كما لا يمكن ان اسمح لاحد أن يشاركني بها . ص 73.

-  ويقول أيضاً : تلك الليلة كنت آدم وطعم التفاح ينعش فمي، حورية وسط جنتي، كان جمال العالم الذي لم اعشه يوماً يتمثل في جسد أنثى واحدة تدعى احلام ص 30 .

    اما رياض الذي تربع على الأرض واخذ يقضمها شبراً شبراً فيصرح علناً ان هذه الأرض من حقه – احلام – لأن شريف بات عاجزاً مادياً واجتماعياً وفكرياً وسياسياً، بعد ان استسلم وألقى بالسلاح ولم يعد قادراً على مواجهته أو المحافظة على احلام.. فالضعيف لا تحق له الحياة ولا يستحقها.. وأن ما يقوله شريف ما هي الا أمنيات فقط يختزنها في قرارة نفسه.

  واحلام التي تمثل الأرض الفلسطينية، والتي اصبحت عرضة للنهب والطمع، وأبيحت للأغراب، لا تقف عند حد معين.. فهي تطلب المزيد من الشهداء ومن الدماء.. تقول:

-         الموت لا يغص من الجثث، الثورة شربت انهاراً من الدم لتهضم من تبقوا على وجه الأرض. ص 29 

    لكن شريف يجنح الى السلم وينادي بالسلام بعد ما رأى من أهوال الحرب ما رأى، وما جرته هذه الحرب على شعبه.

    "اللعنة على الحرب، فيه استبدلوا حليب الأطفال بزجاجات مملوءة بالدم، وأشبعوهم من الموت والدمار" ص 124.

    ويتذكر الشعب الفسطيني في المخيمات اللبنانية، ويسترجع جرائم الاعداء في ذاكرته حين ترك العرب هذا الشعب يواجه مصيره لوحده.. فأين المفر؟.

    "الله يجازيهم العرب، تركونا لوحدنا في وجه اسرائيل، وين حقنا في الحياة". ص 112

    ويعرف أيضاً ان لا سلام للضعفاء، لكنه يحاول، بعد ان تخلى عنه الجميع، ويحذر من الحرب ثانية والعودة الى الوراء.

    "في مدن الرعب والدمار تنبت للإنسان اشواك، وتبرز له انياب، يصبح فريسة في لحظة عدم إن لم يكن هو الوحش المتفرس". ص 83 

    ويعرف انه لم يبق له شيء في هذه الدنيا بعد أن جرده الاعداء من سلاحه ومن احبائه ومن كل شيء يمتلكه.. فقد استشهد أخوه صالح في الجنوب بعد أن أنار له الطريق، واوضح ان لا عودة حقيقية بدون شهداء..

    "إذا كان الوطن سيعود بموته.. فليمت نصف الشعب الفلسطيني أيضاً، ليمت ثلثاه، ويعود الثلث الأخير فقط". ص 22

    فالشهداء هم النور الذي يضيء على هذه الأمة، ولا فرق بين أخيه وبين وغيره من الشهداء.

    "حفروا حفرة كبيرة، دفنوا فيها عشرات الشهداء، ثم وضعوا لوحة رخامية على قبره.. لم يكتبوا اسمه.. قالوا أنه الجندي المجهول". ص 22 

    فشريف يعرف حدود وطنيته تماماً، كما يعرف حدود "احلامه"، يحاول أن يسترجع ما ضاع من أرضه بالسلام، ويستعين بالصبر، ولكنه يحذر من الانفجار في نهاية المطاف، فإن ضاقت الدنيا "فعلي وعلى أعدائي يا رب"، وهذا ما نلحظه في نهاية الرواية حين يقتل "احلامه".

    في روايته الأخيرة "الخريف واغتيال احلام".. لم يحد الروائي ابراهيم عوض الله عن خط سيره في كتابة السيرة الذاتية، لكنه ينقلها بشكل أوضح، وهو يسجل احداث الهم الفلسطيني اللبناني العربي.. وفيها يعتمد على الاستبطان والتحليل للاوجاع النفسية ووصفها بأقصى ما لديه من قدرة.. فهو يحلل التجربة التي تنتقل الى نفسه من خلال المتحدث.. ويصف احساسات العقل  والنفس البشرية من أعماقها.. فهو أعطى القراء صورة "وسجل رد الفعل المباشر عند المتحدث، وهو غير الذي يصل الى القارئ، وهو بذلك وظف علم النفس في كتاباته.. وهذه ثمرة التأمل المستغرق، أو "التأمل الحالم"، خاصة عندما يتحدث عن التطور النفسي وفهمه لمكبوتاته النفسية التي تحاصره ليعطى تفسيرات مقنعة، "مثل تلك الروايات التي تكون مشحونة بالمعاني الرمزية والسيكولوجية، تضيف جماليات للعمل الإبداعي وتميط اللثام عن ذلك الأثر الفني، والذي يحتوي في داخله قيم جمالية".

    الاثر الفني لم يرتكز على العقد المستخفية في الرواية، ولا على الفن المقنع لتحقيق رغبات مكبوته.. بل ارتكز على كيف يحدث الأثر الفني الرضى عاطفياً.. وأية رابطة تقوم بين مبناه الشكلي والنماذج الأساسية والرموز في نفسية القارئ.

    نلاحظ تجربة الكاتب التي قفزت في السنوات الأخيرة بفضل متابعة القراءة الحديثة، وتأثره بأحداث المجتمع وهزائمه، أضف الى ذلك اتساع افقه مع خبراته الحياتية التي أهلته أن يكتب بأسلوب أقوى وأوضح واعم.. فهناك قفزة نوعية بين روايته الأولى "الهذيان" وما كتب أخيراً "الخريف واغتيال أحلام".. مما ينبيء بتواصله مع قاعدة الروائيين ووصوله الى المستوى الفكري الذي يكتبون به، كما نلاحظ ايضا من الحدث نفسه، فبدت كتابته الجديدة واقعية تحليلية متقدمة.. مما جعله يحقق نقلة نوعية ومهمة في الرواية الأردنية على غير ما وجدناه في رواية الهذيان الذي ألح الكاتب على القيمة الحياتية فيها، لا القيمة الفنية.

   وإذا كان لنا بعض مآخذ على هذين العملين فهو التطويل أولاً في بعض الفصول، فهي بحاجة الى تكثيف، وحذف المشهد منها لا يخل في بنية العمل الروائي.. والقضية الأخرى هي اللغة التي تعامل معها الروائي، على الرغم ان الكاتب استخدم اللغة العربية الفصيحة، الا انه انطق جميع الشخصيات بلغة واحدة دون مراعاة المستويات المتباينة بين شخوص الرواية، فهو يكتب كما يتحدث وينطق، فهذه الأعمال هي قطعة من ذاتية الكاتب، فهو يكتب ببساطة، وبطريقة عفوية، لكنه يحاول ان يثبت حقه ووجوده في الحياة.

    الكاتب ابراهيم عوض الله شكل رواية ليرفع الحجاب عن حقيقة بني وطنه، ويشاركهم في افراحهم وثورتهم وانتصاراتهم وحتى في هزائمهم.. فالكاتب من الاشخاص المغمورين الذين يمثلون مظهراً حضارياً في هذا  العصر.. وهو من الأدباء الذين آلمهم عدم التعرف على مواهبهم، فلزم الصمت فترة من الزمن.

    غير ان ما يستحق التنويه به هنا، ان هذه الرواية تمثل خير توازن حققه الكاتب في الطريقة المتصلة بالسيرة.. فحديث شريف وحديث أحلام يتداخلان بدرجات متفاوتة، وأحياناً يتلاحمان كلياً.. لكنهما لا ينفصلان أبداً.

    وفي النهاية أستطيع القول: ان هذه الرواية تستحق الدراسة.. فالكاتب لم يأخذ حقه من النقد والنقاد.. ولم تنشر أعماله كما ينبغي لكاتب في مقدرته وموهبته.

----------------------------------------------------------------------------

 


 

 

       

العودة لقائمة المؤلفات
  حقوق الطبع ©2017 صوبـــا. جميع الحقوق محفوظه
زوار الموقع : 332047
  تصميم و تطوير