الأرض الحافية / رواية

 

   

 تحميل الرواية

 اصدارات جديدة

جريدة الدستور الأردنية - 3/1/1999م- ص 11

  • (الأرض الحافية) رواية جديدة لابراهيم عوض الله

 عمان – الدستور- صدرت حديثاً عن دار الينابيع رواية (الأرض الحافية) للروائي ابراهيم عوض الله، ويقول فوزي الخطبا في مقدمته للرواية: تأتي رواية "الأرض الحافية" لتكشف عن موهبة حقيقية وروائي له حضوره، وتميزه في ضبط ايقاعه الروائي وقدراته في رصده الأمين للهم الاجتماعي، والتبدلات الاجتماعية الطارئة في المجتمع الصحراوي، وتجاوز التناول المألوف للواقع العربي المستلب في ثرواته وقدراته دون هدف محدد، فجاءت هذه الرواية كاشفة عن مساحات الظل بذكاء وكثافة وعمق كثيف. يذكر أن الرواية من القطع المتوسط وتقع في 201 صفحة.

 

جريدة الأسواق الأردنية – السبت 5/8/2000م – آراء وأفكار – ص 14

الأرض الحافية .. ايحاءات واقعية للنص في مدار النسق الروائي.

بقلم الناقد سمير عبد الكريم الصالح

   بداية إن رواية "الأرض الحافية" التي صدرت العام الماضي للكاتب ابراهيم عوض الله عمل يحتوي مجمل العناصر التي تعطي النص الروائي السمات والملامح التي ينتسب إليها العمل الروائي، وعناصره الفنية، ولعل فن الرواية من أكثر الأجناس الأدبية تعقيداً، لأن الحديث فيها يدور حول محور التصدي للواقع والمعالجة من خلال أرضية هذا الموقع الراهن، وسبر غور المساحات النفسية الواسعة والمظلمة التي يطرحها الروائي بهية تحليلية لشخوص روايته.. وتشير الدلائل في رواية الأرض الحافية ومفردات السرد على مقدرة الكاتب في تشكيل جماليةالموقف في إطار اللوحة والمشهد والتعامل مع الحدث والزمن والمكان، الشخوص عبر إيحاءات واقعية للنص في مدار النسق الروائي . وعلاقة هؤلاء الأشخاص محور النص الفاعل في البوح الاجتماعي، الغامض تارة والمكشوف أخرى، هذا البوح الذي يشكل منظور سيكولوجية العلاقات الانسانية والاجتماعية وتطورها فيما بينها من خلال الأنا المفردة، والآخر عبر دواخل وزوايا النفس البشرية وتصوير الواقع الاجتماعي لنسق الحياة عبر مجتمع الصحراء، لم يأت النص من بيئة متخيلة رسمها خيال الكاتب فصورها لنا واقعاً.. بل هم أبناء حياة اجتماعية واضحة المسالك واعية لأبعاد التفاعل العام في علاقاتها ومعظم ما يدور من انفعالات عبر المشاهد في مسرح الحياة.. لم تكن كثرة الاشخاص التي زجها الكاتب ورصد حركتها الانسانية عبر هذا الصراع العبثي مفتعلاً بمقدار ما كان له من اثر عليها، وتحريك مباشر لها أراده الكاتب عوض الله ليتوافق مع ما أراد ان يبوح به من خلال شخوص الرواية التي تعتبر موسماً يقدم لنا نسقاً للحياة مواكباً طبيعة نسغ تركيب المجتمعات الصحراوية القائمة على حواف المدن.

وعبر الصور الكثيرة المتلاحقة والمنتقاة بعناية أعطت الانسياب الحركي للرواية وفنية التداعي

السلس والمستمر في تشكيل اللوحات للصور المتداخلة التي كشفت المفهوم والمعنى والبنية السردية برؤية فنية عالية.. وتكنيك عملية الدخول إلى موضوعات الحياة الصحراوية وتفصيل الوقائع اليومية المخالفة لواقع الحياة الليلية.. ونلمس كقراء للرواية من بين الكلمات وخلف السطور المقاصد المبهمة بسهولة.. وأن لكل معلن مخفي، والمعلن هو تحفيز واستنهاض لاستجواب الذاكرة، وفي البوح الذي رغب الكاتب قوله خلط ما بين الأفكار والكلمات. من مخفيات ما يظهر لها بريق ولمحات منزوية في دائرة تشكيل الاعلان عن رفض وانفلاق في بؤرة الفكر وتأتي كرجع الصدى، أو أنين النفس المتعبة من أجل إيضاح علانية الموقف ازاء الصراع مع الحياة، بين الأفكار والعادات والتقاليد في عالم الحس النابض بالحياة والحركة.

والرواية حافلة بمدلولات الجنس، ولكنه متوائم وموظف ويسير بخط مواز للخطوط الأخرى في نسيج النص الروائي، وليس فيه معاني الابتذال والانحراف، فهو للتعبير عن تفاصيل دقيقة للواقع المعاش والحياة اليومية على امتداد حافة الصحراء.. وإن جاء الطرح بعض المواطن ساذجاً عفوياً، كما جاء في الصفحة 166 على لسان خزنة: دكتور تحب تشاهد واحد يزغب أمه.. نظرت حولي فلم أجد أحداً يرقبني، كان كل المتسوقين لاهين في شؤونهم، قلت: ايش تقولي يا خزنة!، - ناظر، العجل يزغب أمه، قالت بفرح.. وعندما نظرت إلى الجهة التي أشارت إليها، شاهدت عجلاً يسقط عن ظهر بقرة، لكنه عاد فانتعش جلده واحتقن رأسه، وفي قفزة فجائية اعتلى ظهر البقرة ثانية واهتز اهتزازات سريعة وقوية، ثم تراجع عنها ومضى بخطوات واثقة إلى الوراء.. كان بعض الرجال والنساء ينظرون بفرح أيضاً.. هذه الصورة، أو المشهد لا يضيف جديداً في ابداعية النص أو تخصيب الرواية، بل هو طرح فج وهو حالة علوية في المجتمعات القروية سواء في الرف أو الصحراء أو البادية.

وقد سار المدخل إلى عمق المشهد الروائي في تداعيات متسلسلة عبر سكينة وهدوء إلا من بعض الهناه.. تبعد بالسرد بعفوية واضحة عن الواقعية منها قول بطل الرواية ص12، ولاحظ السائق ارتباكي فأومأ إلي بأن أهز الفنجان في يدي قبل أن أعيده، فهززته، عند ذلك توقف الرجل اليماني (الذي يكنى بالأقرع) عن صب القهوة.

وفي اطار معرفة القارئ في الوطن العربي، وخاصة أهل بلاد الشام يدركون مفهوم العادات والتقاليد المتعارف عليها، ونتشابه كوعي اجتماعي، وحكاية تناول "القهوة العربية" السادة في البوادي والحضر والمجتمعات الصحراوية متشابهة الطقوس، وصغير المسكن يدرك الأمر قبل كبيره، وفي الموروث الشعبي الكثير عن طريقة صب القهوة ومعاني الفنجان الأول والثاني والثالث،وطريقة تقديمه للضيف واستعمال اليد اليمنى في التقديم وحمل البكرج أو الدلة في اليسار.. وهزة الفنجان معروفة منذ القدم في معظم المجتمعات.. وهي الاشارة إلى الإكتفاء وعدم الرغبة بالمزيد.. فكيف غابت عن ذهن الكاتب هذه البديهة، وهي معروفة منذ وجدت القهوة والمحماسة والمهباش كحقائق متوارثة.

ويتميز متن النص السردي في هذا العمل ببعض الارتباك والتعثر خاصة في معالجة فورة الجنس بطريقة تفتقر إلى التناغم والتناسب بين شخوص الرواية ذات العلاقات التي تظهر وكأنها علاقات غير سوية أو طبيعية، ولكن بحالة تصوير عادية، ويمكن القول اعتبار هذا اللون من الكتابة المنعكسة، والموجودة في متن النص.

اضافة نماذج وشرائح اجتماعية لواقع متخلف بسلبياته أ, ايجابياته، ولكن من خلال شكل صريح وبعيد عن المواربة في ايضاح الحقائق الاجتماعية الكافية في النفس البشرية.. وقد بات اشكالية المرأة والرجل في المجتمع الصحراوي الناتجة عن حذر الكاتب ابراهيم عوض الله من التوخي الحريص في رسم التفاصيل الدالة على الارتباط السياسي مع مجتمع السلطة الدنية كواقع لهذا المجتمع، ذلك الحذر الذي كان بمثابة القيد المحدد لمعالم النص، وبقي خيال هذا القيد مسيطراً وملازماً لتفكير الكاتب عند معالجة بعض الأحداث والشؤون وتتبع الشخوص في معترك الحياة، وكذلك خوف الكاتب على لسان أبطال الرواية من الدخول في اشكاليات النص المفتوح والرأي الواضح، وبالتالي عدم الرغبة بالاصطدام مع من يحبهم.

ونتيجة لما ورد في مفاهيم ذات رؤيا فنية في النسج الروائي، أجد أن شخوص الرواية قد تشكلت على يد الكاتب وحسب رغبته، وتم بناؤها قاصراً محدود القيمة، والنقص فيها ناجم عن عن عوامل الغربة والتشتت في نفسية الكاتب وارتباطه بالواقع المعاش ونقاط الاسناد الرئيسية، ظهرت غير واعية لذاتها، إلا من بقعة ضوء محدودة وضيقة المساحة من البعد العاطفي الكائن عبر نفوس شخوص الرواية والذي كان يتجسد على ألسنة الشخوص الأنثوية في الرواية.

وعلى الرغم من التجريب في الرواية العربية حالة انطلقت مع بداية اعتماد الرواية كفن حديث يتيح للروائي امكانات التجريب أكثر من سواه للأجناس الأدبية الأخرى.. أرى أن الأرض الحافية ذات المنحنى التجريبي بعد صدور الروايات السابقة للكاتب عوض الله مل رواية الهذيان، وما زال للصبار روحاً، والصمت المعبر، والخريف واغتيال أحلام.. ولكنهن روايات ينسجمن مع طموحات الكاتب وآماله، غير أن هذه الرواية مدار البحث وكأنها في دائرة واحدة مغلقة تسير فيها حركات متوازية مع انماط الحياة الاجتماعية، ورغم النسيج الفني الناجح فيها إلا أن بعض مشاهد النص المتكئ على البعد العاطفي،أفقد النص بعض عناصر قوته وابتعد عن الابداع، والدهشة التي أشار اليها الناقد فوزي الخطبا في تقديمه للرواية بفضاءات، ويكفي الكاتب أنه ينفي عن نفسه صفة التميز والابداع، وما أضر بالمعمار الفني للرواية تلك الأحاجي التي وردت في الرواية وليس لها من أداء في دعم الرواية بمقدار ما أساءت احجية الأقرع إلى نقاء العمل الفني بشكل مبطن.. هذا إذا اعتبرنا أن الرواية بشكل عام تمتد من جيل إلى جيل وتبقى شواهد حياتية نعلمها إلى الأجيال على درب الحياة.. وفي الصفحة 20 من الرواية هناك حالة وصفية للمدعوة مستورة والمطوع والكلمات المنمقة في وصف المشهد ودلالات المفهوم للتصوير الفني الوصفي، وهي الحالة الطبيعية في علاقات الأنثى بالآخر عن طريق التسليم للتداوي بطريق الشعوذة، واخراج الشيطان من الجسد والجن، وكيف تستسلم مستورة للمطوع الذي يطفئ عطشه الآخر اليها فيه التخلف.. وتبقى الرواية شاهد عيان على مراحل في حياة الأمم والشعوب.

 

جريدة الرأي الأردنية – الجمعة 5/2/1999م – ثقافة ص 21

الأرض الحافية – رصد روائي دقيق لمجتمع صحراوي.

يوسف الغزو – ناقد وكاتب وقاص اردني

من يقرأ رواية "الأرض الحافية" للكاتب الروائي ابراهيم عوض الله لا يمتلك إلا الاعتراف بأنه أصبح أسير الكاتب في رحلته الزمانية والمكانية من عالم إلى عالم.. لا أن يتعاطف مع بطل الرواية – وأخاله هو البطل – وزوجته وهما يسافران إلى عوالم جديدة بحثاً عن حياة أفضل، ومغامرة اجتماعية غير محسوبة العواقب، وملا يملك القارئ كذلك إلا أن يتعاطف مع الأسرة الصغيرة وهي تصل إلى القرية النائية ذات الرمال المتحركة بالأفاعي والعقارب، والمنقطعة عن مصادر الحياة المدنية بكل متعها وأضوائها.

شخوص الرواية هم الذين صنعوا الأحداث مع البطل، البدر، المطوع، الأقرع، جفران والمزيونة ومريم ومنيرة.. ويستطيع القارئ كذلك أن يتعرف على وصف دقيق عميق لهذه النماذج.. فالمطوع كما يصفه المؤلف، هو الامام وهو رجل يقارب الستين من العمر، لحيته بيضاء، يتوكأ على عصا، ويعرج على ساقه اليسرى ولا يلبس العباءة إلا نادراً، متزوج وله خمسة أولاد، تركهم في المدينة يتابعون دراستهم العليا وعاد يعيش في البادية التي ولد وتربى فيها.. يملك قصوراً وثروات طائلة، يعالج المرضى بالطب العربي ويطرد الشياطين من أرواحهم كما يقول.. دائم الجلوس لوحده في بيته الطيني الذي أقامه على طرف القرية.. الخ".

هذه النماذج الناطقة داخل المجتمع الصحراوي، استطاع المؤلف أن يوظفها توظيفاً جيداً وأن يحركها، واستطاع أن يجلو من خلالها الأحداث التي تمر تصويرها في الرواية تصويراً انتقائياً على طريقة الدراما التلفزيونية.. وكأنما تعمد الكاتب اغفال الخط السردي المباشر في الرواية، ولم يكن هناك أي تصاعد في الأحداث الروائية منذ البداية ووصولها إلى النهاية. وقد عوض الكاتب ذلك بالتركيز على توضيح الصورة المنتقاة توضيحاً يشد القارئ ويجعله يتناسى اغفال التقنية الروائية المتمثلة بربط الخطوط الجانبية القصصية الشاردة في النهاية ربطاً محكماً، يجيز ويبرر الاشارة إلى تلك الخطوط لخدمة الحدث الروائي.

وقد صاغ الكاتب روايته بضمير المتكلم ، فهو يتحدث عن مجريات الأمور في الرواية من خلاله، ومن المفروض والحالة هذه أن لا يكون هناك ذكر لأية صورة من الحدث لم يكن قد رآها أو سمع بها أو حدثه بعضهم عنها، إلا أن بعض الفقرات كانت تتحدث عن حالة يستحيل أن يراها المتكلم أو يعرف تفاصيلها أو جزئياتها.. ومثال ذلك ما حدث بين منيرة وتفاصيل رفضها لعريسها الشيخ الكبير ومقاومتها له، ومثال ذلك "قاومته بكل قوتها، رفسته برجلها، سقط بين ساقيها، بدأت المقاومة تخف تحت ثقله، استسلمت لقدرها وقوته، أدارت وجهها جانباً وراحت تذرف دموعاً حارة..الخ".

إن مثل هذا الوصف الافتراضي لحالة من المستحيل أن يشاهدها المتكلم، يشكل ثغرة اسمها "اللامنطقية" في السياق الروائي.. إلا أن هذه الثغرة سرعان ما تتلاشى إما قدرة الكاتب على الاقناع ووضوح الصور التي يرسمها، والتي تنقل القارئ إلى ما يشبه المشاهدة لصور تتحرك أمامه على الشاشة وهو يتحرك معها.

كما أن الرواية في مجملها تفتقر إلى تحديد البعدين الضروريين لأي عمل روائي، وهما البعد المكاني الذي لم يشر له الكاتب إلا بقرية نائية في قطر عربي نفطي، والبعد الزماني الذي لم يشر له الكاتب كلاماً ولم يربط بأي حدث سياسي أو اجتماعي بارز خارج حدود القرية، كي يتمكن القارئ من تحديد الزمان في الرواية، وقد اقتصرت الرواية منذ بدايتها إلى نهايتها على مبدأ التصوير أو التقطيع التلفزيوني، في حين اقتصر مضمونها على وصف دقيق للمجتمع الصحراوي وعذابات الغربة عند الوافدين وانفلات الزمن منهم كما ينفلت الزئبق من بين الأصابع.. إلا أن قدرة الكاتب على التصوير وبراعة الوصف تعوض عن ذلك، وقد أشار مقدم الرواية فوزي الخطبا إلى هذه الحالة فقال في نهاية مقدمته "والكاتب في روايته استطاع التنقل من مشهد إلى مشهد، ومن صورة إلى صورة، دون خلل أو توسع زائد بكثافة محسوبة حسبما رسم لها بتكتيك فني موفق، فجاءت بارعة في صورها، قوية في عرضها، متدفقة في حوارها، وغنية في ابعادها ومضاميتها ورؤاها، منسابة في لغتها كانسياب ماء النهر في مجراه".

وأخيراً فإن رواية "الأرض الحافية" في تقديري المتواضع، تشكل اضافة نوعية هامة إلى الفن الروائي الذي تعرض كغيره من فنون الأدب، إلى عواطف التجريد والتقزيم والتخريب باسم التحديث تارة وباسم الريادة الأدبية تارة أخرى. ومن هنا جاءت الصور الروائية في تلك الرواية رضية واضحة معبرة ناطقة بأدق جزئيات الحدث ومعبرة عن أعمق المضامين فيه.

 

أفكار – مجلة ثقافية تصدر عن وزارة الثقافة الأردنية- العدد 137 تشرين الأول 1999م – ص 109

الأرض الحافية -  ابراهيم عوض الله الفقيه

عرض: رزاق ابراهيم حسن – ناقد من العراق

ارتبطت الرواية بالمدينة، ومن المدينة أخذت موضوعاتها وشخصياتها وأحداثها، وأخذت الكثير من التطورات والتحولات الحاصلة فيها. ولم تخل الرواية من اهتمام بالمجتمعات الريفية في أغلب الآداب القومية، ويأتي هذا الاهتمام بما يتوافر في هذه المجتمعات من مراحل وأحداث وشخصيات متميزة/ كما أن انعكاس واقع وتطور المدينة على الريف يعزز ما يدعو إلى هذا الاهتمام، وما يجسده في صيغة أعمال روائية.

وإذا كان الريف على تماس بالمدينة، أو على مقربة منها في المسافة والتأثر والأحداث في كثير من الأعمال الروائية، فإن رواية (الأرض الحافية) للكاتب الأردني ابراهيم عوض الله تأخذنا إلى عمق الصحراء، وإلى "القرية تبعد عن الحضارة والتكنولوجيا التي يعيشها هذا العصر بعدنا عن الشمس" (ص9)، وهي قرية نائية تتألف من مجموعة من بيوت الشعر المتناثرة وسط منخفض سحيق تتوسطها واحة من أشجار النخيل، ويلفها شجر الأثل كما تلف السوار المعصم، وعلى مرتفع خلف الأشجار كانت هناك عدة بيوت طينية متفرقة لا تتجاوز عددها عدد أصابع اليد، وفي الوسط بناء كبير قيل أنه مسجد القرية (ص11).

مثل هذا المكان قد يكون واعداً أو حاملاً بمؤشرات مظاهر حضارية معينة، إلا أن البطل يصف رحلته إليه، بأن تلك الرحلة كانت نقطة اللاعودة إلى الحضارة، كانت الحد الفاصل ما بين حياتين: الحياة أو الموت (ص14). وبطل الرواية وشخصيتها المحورية، وراوي أحداثها ووقائعها، والشخص الحاضر في كل سطر من سطورها، هو طبيب تقوده مطامحه لتحسين وضعه الاقتصادي إلى المكان المذكور بعد تعاقده مع إحدى الدول النفطية براتب أفضل.

والطبيب يتمتع بروحية عالية على العمل والتغيير، ويؤمن بقيم الأمانة والمبدئية والاندفاع للتعاون ومساعدة الناس، ولكنه يجد نفسه مدفوعاً إلى الانغماس في حياة القرية الصحراوية، واكتشاف أسرارها ومعالمها من خلال أبنائها، وما يمارسون من تقاليد، ويؤمنون من قيم، ويقترفون من أخطاء، ويعانون من مشكلات وصراعات.

والطبيب يروي كل ذلك من خلال رصد ووصف الوقائع الدالة، والحضور الواقعي واليومي فيها، ومن خلال إحساسه بها، ومعاناته لها، وتأمله فيها، وبشكل يتفاعل فيه الداخل مع الخارج، والمشاهد والوقائع الخارجية مع أحساس ووعي البطل بها.. كما أن الشخصيات الأخرى تمارس أفعالها وعلاقاتها، السري والمعلن منها تحت مراقبة وعيون الطبيب، وتتحرك وتتحدث في إطار ذلك، وهي تطرح نفسها في الرواية من خلاله.

والشخصيات وهي كثيرة تظهر في الرواية وتختفي فيها بمساحات محدودة من الحركة والفعل، وبنسب مختلفة ومتفاوته من الأدوار، ولكن الطبيب يظل هو الوحيد المتواصل والفاعل، المراقب والمتخفي، ويظل موجوداً بعينه وبمشاعره وتأملاته ومواقفه على امتداد سياق الرواية.

وهناك شخصيات تابعة لشخصيات أخرى، ملحقة بها، غير مختلفة عنها، وهناك شخصيات تنفرد بأنماط معينة من السلوك، خاصة وأن القرية الصحراوية تضع الفرد في مواجهة حادة ومباشرة مع رغباته، فهي تضغط على هذه الرغبات، وتحرم عليه المتنفسات الأخرى.

وتتوزع هذه الشخصيات إلى عدة أقسام، فهناك الأمراء وهم يمثلون عائلة تضم عدة أشخاص من النساء والرجال، والرجال يسيطرون على القرية ويحتلون صدارتها، ويتابعهم الكاتب من خلال ما يمارسون من أدوار قيادية، وهوايات ورحلات الصيد، والشغف بالنساء والجنس.

وغالباً ما يصور الكاتب التناقض بين ما يمارسه الأمير، وبين ما يعلنه من قيم وتقاليد، كما أن الرواية توضح أن بعض الأمراء يمكن أن يتخلى عن أي نوع من الرصانة ومن السلوك الأخلاقي السليم عندما يتعلق الأمر برغباته الجنسية وأن يطارد الفتيات والنساء اللاواتي في دروب وبساتين القرية.

وهناك القسم الثاني من الشخصيات التي تحاول التمرد على حياة وتقاليد القرية بطرق مختلفة، فمريم تلح لاقامة علاقة عاطفية مع الطبيب نفسه، ولكنه يرفض الاستجابه لها، ومنيرة الشابة الجميلة التي أرغمت على الزواج من أحد الأمراء الشيوخ، فاستغلت جمالها لاذلال رجال القرية "إنها منيرة التي تسير تأطراً وشفافية، ومع كل حركة ترمي سهماً مسموماً يخترق قلوب الرجال" (ص41).

ومن هذه الشخصيات ميادة وهي فتاة خطبت من أهلها، وتم دفع ثمن هذه الخطبة بصيغة عملية بيع وشراء على أن تتزوج شاباً، ولكنها عندما وصلت إلى القرية أرغمت على الاقتران برجل عجوز رفضت الاستسلام له، وكانت السبب في موته، كما أنها قاومت الحجر المفروض عليها في البيت بالهروب المتواصل منه، والاستغراق في الصراخ والبكاء والاستنجاد بالطبيب. ويمكن أن تنتسب (حصة) إلى هذا النمط من الشخصيات، فهذه الأميرة التي طلقها زوجها، رفضت أن تظل رهينة البيت، وأن تخضع لضغوط التقاليد القروية بالبقاء فيه، وجعلت منه مكاناً للقاء الطبيب.

ومن الملاحظ على هذه الشخصيات أمها في رفضها لما يفرض عليها من ضغوط ومن طاعة للتقاليد، وفي تمردها على هذه الضغوط والتقاليد، تلجأ إلى الطبيب نفسه، فهو الملاذ لها، وهو البديل عن السائد من الرجال في القرية، وقد يصل اللجوء اليه إلى محاولة إقامة وتحقيق علاقة عاطفية أو جنسية معه كما هو الحال مع (مريم) و (حصة)، ولم يكن ذلك عفواً، وأنه نابع من هموم وطبيعة هذه الشخصيات فقط، وإنما لأن الطبيب هو رمز الحضارة وهو يطرح نفسه على أنه النقيض لتقاليد القرية، والممارسات الخاطئة وغير المتحضرة فيها، وهو الذي جلب الطب الحديث إلى القرية، وأقام أول مستوصف فيها، واقترح إقامة مدرستين للبنين والبنات، وكان الملاذ والصديق للمعلمين والمعلمات والصدر المفتوح لهم، والسمع الذي يصغي لهمومهم ومشاكلهم.

ولا يوجد تطابق تام بين مريم ومنيرة وميادة وحصة.. بل أن الاختلافات أوسع وأكبر من التطابق، فالأولى تمارس ما تريد وترفض ما تريد رفضه باختيارات شخصية، ذات جذور وأسباب مرتبطة بالقرية، وما عاشته مريم وما عليه من إحباط، والثانية رفضت الزواج المفروض عليها، وعندما اقتيدت إليه قسراً وانتبهت لنفسها، واتجهت إلى الانتقام من الذين فرضوا عليها الزواج غير المتكافئ.

وميادة قريبة من منيرة ولكنها أكثر مأساوية وعذاباً منها، فقد فرض عليها الزواج مما هو أتعس من القسر، ولذلك اتجهت إلى التمرد المعبر عن نفسه من خلال البكاء والصراخ والهروب من البيت.

وحصة تمارس التمرد باختيار، وهي تلتقي مع هذه الشخصيات أيضاً بما يؤكد أن القسر المفروض بأساليب وضغوط غير أخلاقية وغير حضارية يؤدي إلى ما هو غير أخلاقي، ويزيد من انحطاط وبؤس الانسان، ومن تعاسته وعذابه.

ونضيف إلى هذين القسمين من الشخصيات قسماً ثالثاً، وإليه تنسب الشخصيات التي فهمت الحياة في القرية على أنها حالة للكسب وانتهاز الفرص والمحافظة على العلاقة مع الطرف المتنفذ في القرية، والذي يتمثل بالأمراء، ويمثل هذا القسم المطوع وهو شخص يمارس السحر والشعوذة والاحتيال على أي شخص يعاني مشكلة معينة صحية أو نفسية ويستغل الدين لمصالحه الشخصية، والأقرع وهو شخص يفهم الحياة في القرية بشكل دقيق ويعي ما تقوم عليه من أخطاء وزيف وكذب، ولكنه قادر في الوقت نفسه على تبرير أي تصرف خاطئ وإظهاره بمظهر التصرف المقبول، ولذلك يتم اختياره مرافقاً للأمراء في رحلاتهم للصيد، وفي بعض ما يحسب من الأسرار.

ويبدو أن التقاء المطوع والأقرع في إيقاع لفظي واحد أمر مقصود من الكاتب، باعتبار أنهما من طينة واحدة، وأنهما مجبولان على الخداع والانتهازية، وأنهما من الشخصيات التي تمثل القرية في أبرز ما هي عليه من قيم وسلوك، وأبرز ما امتلكت من تجارب.

ولهذا السبب كان المطوع والأقرع من الشخصيات التي تأتي في الدرجة الثانية بعد الطبيب من حيث الحضور في الرواية ومن حيث التأثير في القرية، والتأثير في الشخصيات الأخرى، وهما من الشخصيات التي مارست حضورها في شخصية الطبيب نفسه.

وعلى أساس هذه الأنماط من الشخصيات المختلفة في مواقفها وطبائعها وأدوارها تحقق الرواية حالة من التأزم المتواصل داخل شخصية بطلها الطبيب الذي يأخذ موقف النقيض للقرية منذ خطواته الأولى فيها، مندفعاً إلى تطوير هذا الموقف باستمرار، وتصعيد عوامل التضاد والتوتر فيه.

ويعزز من ذلك أن هذه القرية لم تتفاعل إيجابياً مع محاولات الطبيب إدخال بعض المظاهر والسلوكيات الحضارية فيها، كما أنها جمعت بين الجمود والاستسلام للصحراء وبين الفساد، بين الانقياد للرغبات النفسية وبين استلاب رغبات ومطامح الآخر، وتبرير كل ذلك بضغوط وعوامل القوة والضعف.

والطبيب رغم تناقضه المرير والحاد مع القرية، إلا أنه كان يحاول مظهرياً أن يظهر بمظهر المتوافق مع تقاليدها، ومع سلوك الفئة المتنفذة فيها، وكان اضطراره لهذا التوافق يعزز من تأزمه الداخلي ومن مراعاته مع الواقع.

وقد جاءت الرواية من خلال صراع الطبيب مع نفسه ومع هذا الواقع، فهو يتأمل ويشاهد ويرصد من خلال هذا الصراع، فالسرد يتم بصيغة الضمير المتكلم الذي يطرح نفسه من خلال الصراع الداخلي، ومن خلال المشاهدة والحضور القائمين على الإحساس والوعي، والتداعيات، فالأحداث لا تقدم نفسه مستقلة عن الذات، وإنما من خلالها، ولذلك كان الموقف في الرواية لصالح الطبيب، ولصالح رؤيته للقرية على الرغم من موقفه السلبي تجاهها، وعدم قدرته على دفعها للتأثر بالمعطيات الحضارية.

ويكاد الروائي ابراهيم عوض الله في هذه الرواية أن يجعل السياق على مقربة من حكايات الرحلات في القص العربي القديم، إذ كانت الحكاية تروى بضمير المتكلم، جامعة بين السيرة وبين تفاصيل الرحلة نفسها معززاً ذلك بالتأملات والتداعيات والغوص في أعماق الشخصيات.

كما أن ابراهيم عو ض الله حاول أن يجعل القرية مكشوفة دون تعقيدات ورموز، ودون وضعها في صيغة فنية مركبة، وأن يعزز زمن هذا الكشف بشخصية الطبيب الذي دفعه موقفه السلبي تجاه القرية إلى فضح وتعرية ونقد الممارسات الخاطئة فيها، ويزيد من ذلك أنه يتعامل مع قرية متخلفة، تقع وسط الصحراء على أساس ما يؤمن به من قيم حضارية، وعلى أساس ما يتناقض مع تقاليدها وأعرافها.

إن رواية الأرض الحافية رواية ذات اهتمام مركز بالجانب النفسي للشخصيات، إذ استطاعت أن تتلمس تأثير البيئة والتقاليد فيها، وأن ترصد مظاهر التوتر والتكيف في سلوكها بما ينسجم وظروفها البيئية والاجتماعية، وبما ينسجم والوقائع المطروحة في الرواية.

وكانت في كل ذلك أمينة على موضوعها وخصائصه، جريئة في كشف وتعرية ما ينطوي عليه من فظائح وفضائح.

 

 

مجلة راية مؤتة – مجلة ثقافية فصلية تصدر عن جامعة مؤتة –

 المجلد الرابع – العدد الأول – أيلول 1999 – ص 74

فوزي الخطبا – أبعاد المواقع في رواية (الأرض الحافية) للروائي ابراهيم عوض الله

تشهد الرواية في الأردن في هذه المرحلة تطوراً فنياً ملحوظاً إذا ما قيست بالفترة السابقة، وإذا كانت مرحلة البدايات غلب عليها الطابع الرومانسي (حب وعذاب وفراق وموت) والاهتمام بالأحداث وإهمال نمو الشخصيات على البعد الواقعي الاجتماعي، والاهتمام بالقيمة الحياتية، وإدخال عوامل الصدفة التي لا تقنع كثيراً، ففي هذه المرحلة استطاعت الرواية الأردنية أن تحمل نبض إيقاع الحياة الجديدة بكل تحولاتها الصعبة، وغدت فيها الرواية الأردنية ينابيع ثرة ترفد نهر الرواية العربية، فسار متدفقاً معطاء يبشر بمستقبل كبير لهذا الفن الروائي الذي كاد أن يصبح ديوان العرب الحديث، واستطاع بعض الروائيين الأردنيين مثل تيسير سبول وغالب هلسه وسالم النحاس ومؤنس الرزاز وجمال ناجي وزياد القاسم وأحمد الزعبي وابراهيم نصر الله وهاشم غرايبه وسميحه خريس وسواهم، أن يكونوا في مصاف الروائيين العرب، وقد حملت أعمالهم الروائية تطوراً فنياً مدهشاً، ووضوحاً في الرؤية والخطاب والروح والاهتمام بالقيمة الحياتية والقيمة الفنية والاستفادة من تقنيات الرواية الحديثة.

ومن الروائيين الذين دخلوا عوالم الرواية بخطى واثقة ابراهيم عوض الله الفقيه، فجاءت أعماله حادة حارقة تكشف قتامة الواقع المرئي والهواجس المنشودة، فرسم لنا معادلة قائمة بين الواقع والمخيلية الروائية – فأعماله الروائية السابقة، الهذيان، الصمت المعبر، وما زال للصبار روحاً، الخريف واغتيال أحلام ، تحمل الحقيقة والمواجهة والمكاشفة بجرأة وبدون تزييف ومبالغة.

وقد استطاع ابراهيم عوض الله أن يتتبع مراحل الثورة الفلسطينية في أعماله السابقة بدقة، فكشف عن أدق الخصائص في مجريات أعمالها البطولية، ومراحلها التاريخية، ابتداء من الهجرة الأولى والرحيل والمنفى، وحتى الاغتراب الأخير داخل الوطن، فهذه الأعمال سجل أمين لمسيرة مرحلة التيه التي عانى منها الانسان العربي عامة، والانسان الفلسطيني خاصة.

وتجيء رواية (الأرض الحافية) لتكشف عن حالة الاغتراب بكل أشكاله السياسية والثقافية والاجتماعية التي يعاني منها الانسان العربي، وبخاصة ونحن نعيش مرحلة تحمل نبض الايقاع السريع للحياة بكل تحولاتها العميقة، متوهمين أننا ندخل الألفية الثالثة بما تحمل من تكنولوجيا وتقدم، متناسين أننا نلجأ اليها في متاهات الخرافة والضياع والظل.

يدخل الروائي عمله هذا من باب أسرة صغيرة تلهث وراء رغيف الخبز إلى متاهات الصحراء،المزروعة بالأمل والمستقبل الباهر كما كان رب الأسرة يحلم ويأمل، وفي غياهب الصحراء يكتشف الحقيقة، خاصة عندما يصل إلى قرية نائية مسكونة بالإنس والجن والرمال المتحركة والأفاعي والعقارب والخرافة، بعيداً عن المدنية ومقومات الحياة.

شخوص الرواية: ترصد الرواية حركة الشخوص الذين شاركوا بطل الرواية أحداثها، ويتجاوز عددهم ثلاثين شخصاً، وهم الذين صنعوا أحداثها ومشاهدها وفصولها، ويشعر القارئ أن كل شخصية في هذا العمل تغادر الدلالة البؤرية، وسرعان ما تلتقي هذه الشخصيات مع المحور الرئيس، وتشكل بنية مركزية، وسنقف عند أهم أربعة من شخوص هذه الرواية، لأننا في هذه العجالة لا نستطيع أن نقف عند جميع الشخوص، فالممرض -بطل الرواية- يحلم بالحصول على بئر نفط، وينتهي به المطاف على مفترق طرق، إما حياة الصحراء بعذاباتها أو الموت، أمران أحلاهما مرّ.

أما الأقرع فهو "دينامو" القرية، وهو الذي لا تغيب عنه شاردة ولا واردة، يتمتع بذكاء حاد وفطنة سريعة التجاوب، وحنكته البدوية وخبرته الطويلة علمته كل شيء في الصحراء، أما المطوع فهو رجل يقارب الستين من العمر، لحيته بيضاء يتوكأ على عصا ويعرج على ساقه اليسرى، ولا يلبس العباءة إلا نادراً، متزوج وله خمسة أبناء من الذكور، تركهم في قصور المدينة وعاد ليمارس حياته البدوية، ويعالج المرضى بالطب العربي والشعوذة، ويطرد الشياطين من أرواحهم كما يدعي، دائم الجلوس وحده في بيته الطيني الذي أقامه على أطراف القرية، يمارس فيه طقوسه.

أما خزنة، المرأة الأغلى مهراً في ديرتها، فقد ترملت من زوجها الأول، وطلقها الثاني، وطلقت الثالث دون أن تنجب أولاداً، وهي تبحث عن الزوج الرابع، وكل رجال القرية يتمنونها لأنفسهم، لكنها ترفض، فهي ما تزال تحتفظ بجمالها، وعلى حد قوله فهي امرأة اكتسبت خبرة الحياة من أزواجها السابقين.

وجميع هذه الشخوص تجمعهم مضافة القرية ليشكلوا معزوفة الصحراء على طريقتهم الخاصة.

لقد ترك الروائي شخوص هذه الروايةيعبّرون عما في دواخلهم من إحباط وتمزق وهزيمة واغتراب ومرارة وصمود،وظل شاهداً محايداً مراقباً واعياً على نبض ايقاعهم ومكنوناتهم، وكأنك تعيش معهم في حركاتهم وهواجسهم ونوازعهم داخل المجتمع الصحراوي.. وجاءت البطولة جماعية وليست فردية، ففي الرواية نجد كل من منيرة ورحمة وميادة وجفران وعبد الجليل وشريف يحتلون جزءاً مهماً في الرواية مع السارد ويٍسيرون معه جنباً إلى جنب في البطولة الجماعية، مما يدفع القارئ إلى متابعة كل شخصية وكأنها بطل الرواية.

وفي الروايات الحديثة كروايات كافكا وجان بول سارتر وغيرهما استخدم هذا الأسلوب، ولعل هذا الأسلوب في هذه الرواية أعطاها شيئاً من المرونة والتفاعل والإخصاب بين الأحداث والشخصيات.

خصوصية المكان: تدور أحداث هذه الرواية في مكان مفتوح يمتد داخل الصحراء، وفي الصحراء تختلط الرؤى والمفاهيم، وعلى الرغم من صفاء الصحراء إلا أن الغبار يغبش الرؤيا ويدفع الراحلين عن أوطانهم للتعلق بما بقي لهم في ظلال رؤيتهم من بيوت حجرية متواضعة يتطلعون بشوق للعودة إليها، ولعل الإشكالية التي عالجتها الرواية هي تضادية المكان، فبين المغتربين والمكان علاقة عداء وتوجس وخوف دائم، فلم يكن هناك توحد وانسجام، بل هناك معاناة وقلق وهواجس، فهم يعيشون الغربة بنوعيها النفسي والواقعي، فالمكان ليس مجرد مكان ساكن ليس له أية ضرورة، فهو يمتد مع الأحداث والزمن والشخصيات ، وكل شخصية لها قضيتها الأساسية تنطلق من زمان ومكان، وإذا كان المكان في العمل الإبداعي يجسد عبقرية الإبداع، فإن الرواية الحديثة ما عادت تتعامل مع المكان على نحو ما تعاملت به الرواية التقليدية، لهذا نجد أن الرواية الحديثة اتخذت من المكان مظهراً خفياً، ولا تقدم إلى القارئ صورة واضحة شاملة عن معالم المكان ورسم حدوده بالممفهوم الجغرافي وتطمس معالمه،، والروائي تعامل مع المكان بوعي، وعنى بتصوير ملامحه وامتدادهوشسوعه، واستحضار موصوفاته وجمالياته، فلذلك كان طائعاً في امتداده واتساعه حيثما اتجه، فشكّل جغرافية المكان الأدبية دون الوقوع في شراك تفاصيل جغرافية المكان الحرفي، وكان الدكتور الناقد عبد الملك مرتاض محقاً في نظرية الرواية عندما قال (الروائي المحترف المتأنق، المتألق، جميعاً، هو الذي يستطيع أن يتعامل مع حيّزه تعاملاً بارعاً، "ويقصد بالحيز المكان"، فيتخذ منه اطاراً مادياً، يستحضر من خلاله كل المشكلات السردية الأخرى مثل الشخصية والحدث والزمان.. إنه خشبة مسرح واسعة تعرض من خلالها أهواءها وهواجسها ونوازعها وعواطفها وآمالها وآلامها.. تحب، إن أحبت، وتكره إن كرهت، من خلاله، لا تستطيع الشخصيات في تعاملها مع الأحداث، فعلاً أو تفاعلاً، أن تفلت من قبضة هذا الحيز، كما أن هذا الحيز يمثل في مألوف العادة، طائعاً لها يمتد إذا مددته، ويتسع إذا وسعته، ويتجه أنّى وجّهته).

فالمكان في الأرض الحافية امتداد للصحراء بكل امتدادها وحدودها وسواحلها ونهارها وليلها وأشجارها وصباحاتها ومساءاتها، مما يجعل المتلقي يحس بحقيقة المكان وواقعيته، على الرغم من أنه قام بتدمير معالمه، وطمس جغرافيته.. ولعل هذا الأسلوب لا يتأتى إلا لمن يمتلك حرفية النص الإبداعي بوعي وفكر واع.

حالة الاغتراب في الرواية: لا يستطيع الدارس لهذه الرواية أن يتخطاها دون أن يقف عند إشكالية الاغتراب التي يعاني منها أبطال هذه الرواية، على مختلف تناقضاتهم ومواقعهم وأدوارهم، ولعل حالة الاغتراب النفسي التي عانى منها أبطال هذه الرواية من المغتربين على مختلف مستوياتهم المتباينة، تكشف لنا عن هذه الإشكالية بأبعادها المختلفة، وكأن هذه الإشكالية صراع يتمثل بين إرادتين، إرادة تملك ولا تعمل ولا تعرف، مغيبة عن الواقع عن قصد أو غير قصد.. وإرادة لا تملك وهي تعمل وتعرف، وتصارع من أجل الحياة، وهي صاحبة رؤيا ممتدة.. لذا نجد الذين لا يملكون هم الذين يركضون ويتنقلون ويرحلون وراء رغيف الخبز المغموس بالرمال والغبار والملح ورائحة النفط، وتراهم أوفياء لجذورهم وأصولهم ومنابتهم الأصيلة، كما كشفت الرواية عن جوّانيتهم الطيبة، فمياده –إحدى شخوص هذه الرواية- لم تكن حالة الانسان الأخير والوحيد في الصحراء التي تعاني وطأة الاغتراب النفسي، بل كانت حالة واحدة من الآف الحالات التي تم فيها اغتصاب عقول الغرباء وأجسادهم.. مياده كانت حالة تمثل القهر والوجع الجواني والغربة والضياع والمنفى والتيه في بلاد التيه والملح كما ذكر الروائي.

مفهوم الجنس في الرواية: وظف الروائي الجنس في الرواية توظيفاً فنياً موفقاً، بعيداً عن الإثارة المكشوفة، فجاءت المشاهد في ثنايا الفصول طبيعية، ليعبّر عن واقع معاش بإحكام فني، ويكشف عن الواقع المتناقض، فيمتزج الواقع المرئي والمتخيل، بما فيه قهر واستلاب، وبما يمور من حب وجنس، معرباً عن التناقض بين الممارسة في الظاهر، والممارسة المتخفية وراء أحجبة الأقنعة.. وتشتم روائح الأجساد وهي ظامئة ومستنزفة، وتفوح منها أبخرة الحناء والخمر والشواء في أتون الليل، فتختلط رؤاهم ورؤياهم في غبش أحلامهم.. ويضيف إليها المغزى الكلي من بناء عمله الإبداعي، من إضاءة وتعتيم وظلال ورموز، متسق مع الحدث والهدف.

ولا يستطيع القارئ إلا أن يقف عند ثلاث قضايا تكمن في هذه الرواية..

أولها: بساطة العرض والإقناع، يرفد ذلك كله ذاكرة قوية وحساسة، لا تغفل عن أبسط القضايا الصغيرة بتدرج ونمو منطقي لمسار الأحداث.

أما القضية الثانية: فهي الصدق الفني، كاشفاً عن مساحات الظل بذكاء ودقة وكثافة وعمق كثيف، مستنطقاً دواخله دون أن يخسر الحقيقة النهائية أو الكاملة، بكل معطياتها، كما اتسمت الرواية بالصدق الواقعي والرؤية الواقعية، وهما علامتان بارزتان في حقلها.

أما القضية الأخيرة، فهي عنصر التشويق الذي اتسمت به الرواية منذ سطرها الأول إلى منتهاها، واستطاع الكاتب التنقل من مشهد إلى مشهد، ومن فصل إلى فصل، ومن صورة إلى صورة دون خلل أو توسيع أو ورم أو متدفقة في حوارها، غنية في أبعادها ومضامينها، ومنساقة في لغتها كانسيا النهر في مجراه، مما جعل القارئ يقيم علاقة توحد وانسجام بينه وبين هذه الرواية.

ولعلنا لا نبالغ في القول أن الروائي إبراهيم عوض الله ف هذه الرواية يقف عند مفترق طرق ذات أبعاد مدهشة ومثيرة، فقد استطاع أن يكشف عوالم خفية من حياة الراحلين إلى أرض الرمال الحافية، وما يكتنف روحهم من غربة ومعاناة ومكابدة، فكشف الغطاء عن كل ما هو خاف من بوح الحكايا المتخثرة والمكبوتة في ذاكرة الهياكل الرملية، واختزن غموضهم وأسرارهم وأحلامهم، واختلاط رؤاهم وزخم هائل من تداعيات ذكرياتهم المهشمة وصباحاتهم المسفوحة بالرمال ومساءاتهم الباهتة ورفضهم المستحيل كصدى الصراخ في الكهوف المهجورة.

وأخيراً نستطيع القول إن إبراهيم عوض الله قد رسخ نفسه كروائي ذي نفس طويل وخيال واقعي جميل، وبعد كل ما صدر له من روايات وأعمال.. لماذا لم يتم تناول أعماله الإبداعية بدراسات وأبحاث جادة حتى الآن على الرغم أن أول عمل صدر له عام 1975م، فهل يعقل أن تصدر له خمس روايات ومجموعة قصصية وكتاب تاريخي ولم يُكتب عنه..!!.

 

  

قراءة في رواية (الأرض الحافية) لمؤلفها إبراهيم عوض الله فقيه بقلم نازك ضمرة

تاريخ النشر : 2013-05-13

قراءة في رواية (الأرض الحافية)
لمؤلفها إبراهيم عوض الله فقيه
بقلم نازك ضمرة   
الأديب إبراهيم عوض الله فقيه استطاع أن يثبت نفسه روائيا أردنياً بإبداعاته ورواياته المتتابعة، ومنذ السبعينات وحتى تاريخه صدر له  ثماني روايات وثلاث مجموعات قصصية، ولقد انتهيت اليوم من قراءة روايته المعنونة (الأرض الحافية) والتي نشرت في العام 1999،
في هذه الرواية أظهر الأديب إبراهيم قدرة عالية على السرد والصبر لتوصيل الهدف الذي أراده بأسلوب أدبي جذاب، وبصياغة لغوية فصيحة وسليمة، وبالإضافة إلى إتقان مزج الواقع بالمتخيل، حتى ليصعب الفصل بينهما، وبأسلوب اختص به الكاتب.في هذه الرواية، ومن المعلوم أنك لا تستطيع أن تحكم على روائي وكاتب عريق من عمل أدبي واحد، وسأحاول قراءة روايات لاحقة لهذه الرواية.
لكن أهم ما يميز هذه الرواية وضوح الهدف من كتابتها، ووضوح الشخوص وتحركاتهم وأهدافهم عبر جميع صفحات الرواية التي بلغت 200 صفحة من القطع المتوسط، ولكن الغموض الذي يثير التساؤل في هذه الرواية هو كيف ارتضى الإنسان المواطن الأصلي، والمستقدم بعض التصرفات الشاذة المخفية والمعلنة، وكيف تسربت عادات وطبائع الشذوذ إلى مجتمع بدائي بسيط (الأرض الحافية)  كالقسوة والتحكم وتغطية للحقائق وكثرة المخفي السيء والمسكوت عنه، وكذلك النفاق وظلم للمرأة وهضم أبسط حقوقها وتشويه للإسلام واخلاقياته التي هي جوهر الدين، وكل تلك الصفات الشاذة في مواقع الأرض الحافية معروفة للجميع هناك ربما، لكنها مسكوت عنها وزيادة على ذلك إساءة استعمال السلطة والأمانة من قبل المسئولين والمتحكمين، والتوجيهات، وبرغم كل الانتقادات التي كان السارد يوجهها لسكان  بيئة الأرض الحافية، إلا أن الممرض أو هو الذي كانوا يسمونه الطبيب تعايش بشكل يدعو للغرابة وعدم التصديق، وبلغ مكانا مرموقاً في ذلك المجتمع، وصادق ورافق امير المنطقة، وتمكن من الاطلاع على الكثير من الأسرار والمحظور والمسكوت عنه، بحكم هذه العلاقة التي عرفناها عبر السرد المطول، وأنها كانت علاقة حميمة ولو أنها تدخل تحت بند النفاق وتبادل المنافع، وإن الأمير تقبل هذا الممرض وأحبه، ورفض تنفيذ اوامر نقله إلى منطقة أخرى، ليدلل لنا السارد عن عمق الثقة التي وصل لها في نفسية الأمير ومرافقه الأقرع، حتى في اوقات اصطدام الممرض (الطبيب)  مع شيخ الجامع (المطوع)، ومع تذمر الممرض وهو السارد عبر سرد كل تفاصيل الحكاية، إلا أنه أبان دون قصد او بلا وعي أن إقامته في تلك المنطقة كانت مقبولة بالنسبة له ومحببة، و توافقت مع الكثير مما تمناه من غربته، ووصف لنا الممرض نفسه الكثير من المناسبات التي حظي فيها باحترام الأفراد من مجتمع الأرض الحافية والمسئولين وتقديرهم له ولتواجده عندهم، انسجم مع السكان المحليين، وحتى الوافدين من البلاد العربية للعمل كممرضين أاو ممرضات معلمين أو معلمات في المدارس، ويصف السارد بيئة الأرض الحافية نيابة عن الأمير، مع ان المفروض أن يسمح للأمير أن يصف ديرته بنفسه ، ولم يكتف السارد بهذا فقط، بل زاد من تدخله وأصدر حكمه هو على الصحراء وهو ليس ابن صحراء ومما جاء في الرواية: (ولهذا السبب ترك أمير المنطقة أولاده وقصوره في المدينة، وأحب حياة البادية الصحراء، للصحراء أسرارها وبريقها وعقاربها، أفاعيها ونساؤها ورجالها، والمطوع ومستوره. . . ) ص37 من الرواية. وهناك نقاط أثرت على حكاية هذه الرواية من حيث الفن الروائي:
اولها: أن السارد العليم والذي كان يعرف حتى ما يدور في عقول الآخرين لم يسمح لأي منهم في معظم مواقع القص بأن يعبر عن نفسه او يحاور أي طرف، وحتى لو سمح بحوار ما، فلم يكن الحوار إلا مع السارد العليم نفسه وهو الممرض او كما كانوا يسمونه الدكتور.
والنقطة المهمة الثانية: ان سرد هذه الرواية جاء بأسلوب تقليدي يشابه أسلوب قصص ألف ليلة وليلة، فكل فصل هو قصة جديدة مثيرة، تتوالد من رحم القصة السابقة، وكأنه يريد أن يحاكي أسلوب شهرزاد، وربما دون قصد منه، ليبقى القارئ مشدوداً ينتظر او يستمع او يقرأ ليعرف شهريار ما حدث بعد ذلك في الليلة التالية، او ليستمتع وكأنه طفل يريد أن يتسلى بسماع الحكاية المثيرة.
والنقطة الثالثة: وهي جزء من اسلوب السرد التقليدي، أي أن  سرد الحكاية يبدأ من الصفحة الأولى ثم تتسلسل الأحداث، ويتناولها السرد بالترتيب الكلاسيكي الممل، حتى تنتهي القصة في الصفحة الأخيرة، وكما يقول المثل المصري: (من طقطق لسلام عليكم)، والمقصود أن السرد الحديث تجاوز هذا الاسلوب الرتيب، وعمل على تقطيع الزمن والتعارض والتصادم في ترتيب الأحداث والأماكن ليشعر القارئ انه يعيش حياة تشبه الحياة الحقيقية، لأنه لا يجري حدث في التاريخ مجردا معزولا ومتواصلاً، مع تجمد العالم منتظراً حتى ينتهي الحدث السابق.
وتمنيت أن لاأعارض الناقد الذي قدم للرواية، فقد اكد أن الكاتب لم يتدخل في تصرفات وأقوال الشخوص، وأبقاهم يتصرفون حسب المواقف دون تدخل منه، وهذا لم يكن صحيحا، فالكاتب والسارد العليم والممرض هم نفس الشخص، وتدخل السارد العليم في كثير من المواقف بتصرفات وأقوال وأفكار الشخوص، حيث انه كان يعلم ماذا يدور في خلد الشخص دون أن يحادثه او يخلق موقفاً وحواراً يتيح للشخصية ان تتحدث عن نفسها وما يدور في خلدها. في موقف من المواقف لم يكن السارد العليم على علاقة حميمية مع الأميرة، لكنه يصف حالها، كأنه يجالسها او يراقبها، ولماذا لا تصف حالها لشخص ما بنفسها؟ (تعتز ببريق عينيها، وتفرد حاجبيها كسيفين، ((كيف عرف السارد هذا، لماذا لم يسمح لها بالتحدث عن نفسها في موقف ما؟؟ أو تصفها شخصية يخلق لها دوراً في هذا الحدث))  ويتابع السرد: (وتجلس في عتمة البيت يومض نورها الخفيف ثم ينطفئ على جسم أنثوي تحت ثياب زاهية وثقيلة موشاة بقطع من العملة الذهبية . . . . ثم يحط الجسم .... ويخيم الصمت الذي يثير الشهوات .. وتستلقي في انتظار عودة الامير ليلاً، ترتعش من الأعماق، تتأوه في الليل، ثم تترنح وتسقط وهي تدعو بأن يعود لها الأمير الذي تحبه وتتمناه)  صفحة 107، والسؤال هو: كيف عرف السارد العليم بكل هذه المشاعر والآلام حسب نص الرواية الحالي؟
وقبلها جاء في السرد: (كانت تتوق إليه، وتتمنى لقاءه، وتعبر له عما يخالجها من شعور، لكنه كان يرى في التعبير عن الحب لها ضعفاً لشخصيته) صفحة 106 أي أن السارد كان يتحدث باسم الزوج والزوجة نيابة عنهم، ثم لم يكتف بذلك، بل أعطى نصيحة وحكمة من أفكاره بتدخله المطلق، فيقول متابعاً السرد: (فالرجولة صمت وأوامر عند الزوجة، وكلمات عشق دافئة عند المعشوقة) وهذا منتهى التدخل ووضع الكلام في فم الشخصية، او التعبير عنه حسب أفكار الكاتب ورأيه.
وملاحظة أخرى إن تتابع السرد عن جنون مريم، وبشكل مطول، وهي مثل الممرض ليست من سكان الأرض الحافية الأصليين، أي انها والممرض مستقدمون للعمل في خدمة سكان الأرض الحافية، ثم اهتمام الممرض بها وبمتابعة جنونها برغم أنه كان متزوجاً، أشغل السارد عن متابعة حياة الناس العاديين في المنطقة التي خصصت الرواية لهم، وأخذت من حكاية الرواية حيزاً كبيراً، وأضاع الكاتب البؤرة التي أنشأ الرواية ليبرزها، فلم نعرف الهدف الرئيس من الرواية: أهو بيان مغامرات وذكاء وتصرفات الراوي أم وصف حالة أهل الأرض الحافية وبتحامل وفي تضاد، حيث إن السارد ظهر لنا أن كل ما يتمناه كان ملبى، ولم نعرف عن سبب تماديه في كشف عيوب وسيئات وجهل وتصرفات أهل الأرض الحافية هل كان يهدف إلى تفتيح أذهانهم خدمة لهم، او لمجرد كشف معايبهم؟؟..
ثم إن هناك مبالغات غير منطقية، ويستبعد حدوثها في مجتمع بدوي صحراوي متزمت، مهما كان متخلفاً، وربما أراد الكاتب تزويق الرواية بمواقف حميمية خيالية لأنه يدرك أن السرد بالطريقة التي ادار الحكاية بها رتيبة، وحين يوجد غدير او نبع ماء جار في منطقة ما، لا تزوره امرأة وحدها عادة، وإن حصل ذلك، فليس لوقت طويل وفي أمان: (أعلنت عن مولد امرأة جميلة تستحق أن تعيش الحياة، بخطوات رشيقة تتمشى بجانب الغدير، تمايلت في مشيتها وابتعدت قليلا، ثم عادت إلى الماء فغسلت وجهها ورقبتها، تحركت الإنثى النائمة في أعماقها، وجدت نفسها تتعرى وتقذف بنفسها في الماء الرقراق) صفحة 139 وثمة مثال آخر على المبالغة صعبة التصديق، ومن المعروف أن الإنسان منذ آدم وحواء سواء كان مثقفاً او جاهلاً او إنسان غاب يعرف أن المرأة لاتحبل دون العملية الجنسية مع رجل، فكيف نقبل ادعاء السارد، ان امرأة عربية بدوية تريد أن تحبل دون أن يضاجعها زوجها؟ ومما جاء في الرواية: (وعندما قالت رحمة إنه لا يمكن للمرأة أن تحمل إلا إذا جامعها رجل، تعجبت من كلامها، وقالت: هو ينام بالخيمة عندي، بس ما يلمسني، ثم نظرت إليّ وتابعت: انت يالدكتور، أناشدك بالله ورسوله، هل ما تقوله الدكتورة صحيح وصدق؟) مثل هذه المبالغات المستحيلة تعيب الرواية، لأنها لا يمكن قبولها.
وخلاصة ما يراه كاتب هذه السطور، لو ان هذه الرواية كتبت بشيء من حيادية ودون تطرف، وخلت من التركيز الشديد على فهلوة وشخصنة قدرات الممرض لدرجة الإعجاز، حتى يكون شاهداً مقبولاً على العصر، وبدون استغلال جميع المواقف والأحداث التي مرت لإظهار مهاراته وقدراته التي تقترب من الإعاجاز أحياناً، ولو حافظ الممرض على حجمه وأبقى على بساطته كما وصف نفسه في الصفحة الأولى من الرواية، ثم لماذا لم يحدثنا عن الأدوية والعلاجات ومواقف الفحوصات التي كان يجريها للناس هناك، ولم يذكر وصفاً دقيقاً لوصف فحصه لحالة واحدة داخل المستوصف، ولا كيف كان يصرف الأدوية او كيف كان يتصرف بها، او يطلب ما يحتاجه منها، من وزارة الصحة، مع قصص نجاحاته في علاج محتاجين، وخاصة وأنه كان له منافس في الطب العربي في منطقة الأرض الحافية وهو المطوع أو شيخ المسجد الذي يعتمد في علاجه على التمائم وقراءة القرآن والغش والعبث ليوهم الناس بقدرات خفية.
ولو خلت الرواية من بعض الوقائع والخيالات غير الممكن حدوثها، لكانت هذه الرواية رواية عالمية، أرخت مالم تحتويه كتب التاريخ، ولأصبحت مرجعاً تاريخياً وتراثياً لأهل تلك المنطقة، وللمسئولين عن التراث والتأريخ، وللأدباء والمفكرين والمؤرخين، والسبب ببساطة عدم وجود ادباء أو مختصين بتسجيل التراث والأحداث المحلية والإنسانية في تلك العقود  في تلك البلاد، أو لندرتهم، وبسبب ورود أحداث مثل هذه الرواية بتفاصيل مبهرة وجميلة وساحرة، وربما لا يهتم بها أهل المنطقة ايامها لأن التصرفات كانت أمراً عادياً ومألوفا، ولا تعتبر غريبة عن حياتهم اليومية ومجتمعهم، اقول لو حدث كل هذا للاقى اديبنا ابراهيم ذيب عوض الله كل الاحترام والتقدير حياً او ميتاً، ولا عتبر مساهماً فاعلاً في تسجيل تراث انمحى ولن يعود، ولأصبحت الرواية رواية خاصة لشعب الأرض الحافية،ولاعتزوا بها ولبقيت مرجعاً موثقاً، ولترحمت للغات عديدة عبر عصور لاحقة لأنها تستحق أن تكون رواية عالمية بكل المعايير التي تجعل من اي رواية أدباً عالميا.
رالي/ نورث كارولاينا- أمريكا 10/5/2013

 

 

 

 

 

العودة لقائمة المؤلفات
  حقوق الطبع ©2017 صوبـــا. جميع الحقوق محفوظه
زوار الموقع : 332046
  تصميم و تطوير